* عن أبي عطاء أيوب بن طهمان الثقفي أنه رأى علي بن أبي طالب حين دخل الإيوان بالمدائن أمر بالتماثيل التي في القبلة فقطع رؤوسها ثم صلى.
* عن إبراهيم الحربي قال: منكر زماننا معروف زمان ما أتى, ومعروف زماننا منكر زمان قد مضى, ولئن نقص غيرنا منا كما نقصنا من غيرنا ينزل الناس حتى يصيروا بمنزلة القردة والخنازير.
* عن إبرهيم الحربي قال: من تعدون الغريب في زمانكم هذا؟ فقال واحد منهم: الغريب من نأى عن وطنه، وقال آخر: الغريب من فارق أحبابه، وقال كل واحد منهم: شيئًا, فقال إبراهيم: الغريب في زماننا رجل صالح عاش بين قوم صالحين: إن أمر بالمعروف آزروه, وإن نهى عن المنكر أعانوه, وان احتاج إلى سبب من الدنيا مانوه, ثم ماتوا, وتركوه.
* عن الخطيب قال: لما منعت الديلم ببغداد الناس أن يذكروا فضائل الصحابة, وكتبت سب السلف على المساجد كان الشافعي يتعمد في ذلك الوقت إملاء الفضائل في جامع المدينة, وفي مسجده بباب الشام, ويفعل ذلك حسبة, ويعده قربة.
* عن عكرمة قال: شهدت ابن عباس صلى على جنازة رجل من الأنصار, فلما سوى في اللحد, وحثي التراب عليه قام رجل منهم فقال: اللهم رب القرآن ارحمه, اللهم رب القرآن أوسع عليه مداخله, فالتفت إليه ابن عباس مغضبًا فقال: يا عبد الله أما تتقي الله, يا عبد الله أما تتقي الله, أما علمت أن القرآن منه, قال: فرأيت الرجل نكس رأسه, ومضى استحياء مما قال له ابن عباس, كأنه أتى على كبيرة.
* عن عبد الله بن محمد العابد قال: جاء كتاب من أسفل في كل مدينة يقرأ على المنابر, ومعه حرسيان, وفيه مكتوب:) وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( [مريم: 12] وكان ولي عهده صبيًا - يعني الخليفة - قال: فلما جاء الكتاب إلى بلخ ليقرأ, فسمع أبو مطيع, فقام فزعًا, ودخل على والي بلخ فقال له: بلغ من خطر الدنيا أنا نكفر بسببها, فكرر مرارًا حتى أبكى الأمير, فقال الأمير لأبي مطيع: إني معك, وإني عامل لا أجترئ بالكلام, ولكن خليت الكورة إليك, وكن مني آمنا, وقل ما شئت, قال: وكان أبو مطيع يومئذ قاضيًا, قال: فذهب الناس إلى الجمعة, وقال سلم بن سالم: إني معك, وأبو معاذ معك يا أبا مطيع, قال: فجاء سلم إلى الجمعة متقلدًا بالسيف, قال: فلما أذن ارتقى أبو مطيع إلى المنبر, فحمد الله, وأثنى عليه, وصلى على النبي, وأخذ بلحيته فبكى, وقال: يا معشر المسلمين بلغ من خطر الدنيا أن نجر إلى الكفر!! من قال:) وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( [مريم: 12] غير يحيى بن زكريا فهو كافر قال: فرج أهل المسجد بالبكاء, وقام الحرسيان فهربا.
* قال أبو داود سليمان بن معبد السنجي:
يا آمر الناس بالمعروف مجتهدا وإن رأى عاملًا بالمنكر انتهره
ابدأ بنفسك قبل الناس كلهم فأوصها واتل ما في سورة البقرة
أتأمرون ببر تاركين له ناسين ذلك دأب الْخُيَّب الخسره
وإن أمرت ببر ثم كنت على خلافه لم تكن إلا من الفجرة
من كان بالعرف أمَّارا وتاركه فذاك يسبق منه سيله مطره
* عن شعيب بن حرب قال: بينا أنا في طريق مكة إذ رأيت هارون الرشيد, فقلت لنفسي: قد وجب عليك الأمر والنهي, فقالت لي: لا تفعل؛ فإن هذا رجل جبار, ومتى أمرته ضرب عنقك, فقلت لنفسي: لا بد من ذلك, فلما دنا مني صحت: يا هارون، قد أتعبت الأمة, وأتعبت البهائم, فقال: خذوه, فأدخلت عليه, وهو على كرسي, وبيده عمود يلعب به, فقال: ممن الرجل؟ قلت: من أفناء الناس, فقال: ممن ثكلتك أمك؟ قلت: من الأبناء، قال: فما حملك على أن تدعوني باسمي؟ قال شعيب: فورد على قلبي كلمة ما خطرت لي قط على بال, قال فقلت له: أنا أدعو الله باسمه, فأقول: يا الله يا رحمن, ولا أدعوك باسمك, وما تنكر من دعائي باسمك, وقد رأيت سمى في كتابه أحب الخلق إليه محمدًا, وكنى أبغض الخلق إليه أبا لهب, فقال:) تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ( [المسد:1] , فقال: أخرجوه, فأخرجوني.
(9/ 239 ـ 240)
* عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي قال: أرسل إلي أبو جعفر المنصور, فقدمت عليه, فدخلت, والربيع قائم على رأسه, فاستدناني, ثم قال لي: يا عبد الرحمن كيف ما مررت به من أعمالنا إلى أن وصلت إلينا؟ قال: قلت: رأيت يا أمير المؤمنين أعمالًا سيئة, وظلمًا فاشيًا ظننته لبعد البلاد منك, فجعلت كلما دنوت منك كان الأمر أعظم, قال: فنكس رأسه طويلًا, ثم رفعه إلي فقال: كيف لي بالرجال؟ قلت: أو ليس عمر بن عبد العزيز كان يقول: إن الوالي بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها, فإن كان برًا أتوه ببرهم، وإن كان فاجرًا أتوه بفجورهم, قال: فأطرق طويلًا, فقال لي الربيع: وأومأ إلي أن اخرج فخرجت, وما عدت إليه.
* عن أبا سليمان قال: سمعت أبا جعفر يبكي في خطبته يوم الجمعة, فاستقبلني الغضب, وحضرتني نية أن أقوم فأعظه بما أعرف من فعله إذا نزل, وبكائه على المنبر, قال فتفكرت أن أقوم إلى خليفة فأعظه والناس جلوس يرمقوني بأبصارهم, فيعرض لي فيأمر بي, فأقتل على غير تصحيح, فجلست وسكت.
* لما دخل المأمون بغداد نادى بترك الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, وذلك أن الشيوخ ببغداد كانوا يحبسون, ويعاقبون في المحال فنادى بذلك لأن الناس قد اجتمعوا على إمام, قال: فدخل أبو نعيم بغداد في ذلك الوقت, فنظر إلى رجل من الجند قد أدخل يده بين فخذي امرأة فزجره أبو نعيم, فتعلق الجندي بأبي نعيم, ودفعه إلى صاحب الشرطة, وعلى الشرطة يومئذ عياش, وصاحب الخبر أبو عباد, فكتب بخبره إلى المأمون, فأمر بحمله إليه, قال أبو نعيم: فأدخلت عليه, وقد صلى الغداة, وهو يسبح بحب في شيء من فضة فسلمت عليه, فرد السلام في خفاء - شبه الواجد - فبينا أنا قائم إذا أتى غلام بطشت وابريق, فنحاني من بين يديه, وأجلسني حيث ينظر, وقال لي: توضأ. قال: فأخذت الإناء, وتوضأت كما حدثنا الثوري حديث عبد خير عن علي, ثم جيء بحصير فطرح لي، فقمت وصليت ركعتين كما روى عن أبي اليقظان عمار بن ياسر أنه صلى ركعتين, فأوجز فيهما, ثم صاح بي إليه فجئت، فأمرني فجلست, فقال لي: ما تقول في رجل مات وخلف أبويه؟ فقلت: لأمه الثلث وما بقي فلأبيه, قال: فخلف أبويه وأخاه؟ فقلت: لأمه الثلث, وما بقي فلأبيه وسقط أخوه, قال: فخلف أبويه, وأخوين؟ فقلت: لأمه السدس, وما بقي فلأبيه, فقال لي: في قول الناس كلهم؟ فقلت: لا في قول الناس كلهم, إلا في قول جدك؛ فإنه ما حجبها عن الثلث إلا بثلاث أخوة, فقال لي: يا هذا من نهى مثلك أن يأمر بالمعروف؟! إنما نهينا أقوامًا يجعلون المعروف منكرًا, قال: فقلت: فليكن في ندائك لا يأمر بالمعروف إلا من أحسن أن يأمر به, فقال لي: انصرف أو كما قال.
* انصرف ثابت بن قيس إلى منزله فيجد الأنصار مجتمعة في مسجد بنى ظفر يريدون أن يكتبوا إلى معاوية في حقوقهم أول ما استخلف، وذاك أنه حبسهم سنتين, أو ثلاثًا لم يعطهم شيئًا. فقال: ما هذا؟ فقالوا: نريد أن نكتب إلى معاوية. فقال: ما تصنعون أن يكتب إليه جماعة يكتب إليه رجل منا، فإن كانت كائنة برجل منكم فهو خير من أن تقع بكم جميعًا، وتقع أسماؤكم عنده. فقالوا: فمن ذاك الذي يبذل نفسه لنا؟ قال: أنا. قالوا: فشأنك, فكتب إليه, وبدأ بنفسه فذكر أشياء منها: نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وغير ذلك, وقال: حبست حقوقنا، واعتديت علينا وظلمتنا، وما لنا إليك ذنب إلا نصرتنا للنبي - صلى الله عليه وسلم -, فلما قدم كتابه على معاوية دفعه إلى يزيد فقرأه, ثم قال له: ما الرأي؟ فقال: تبعث فتصلبه على بابه، فدعا كبراء أهل الشام فاستشارهم. فقالوا: تبعث إليه حتى تقدم به ههنا, وتقفه لشيعتك, ولأشراف الناس حتى يروه، ثم تصلبه. فقال: هل عندكم غير هذا؟ قالوا: لا! فكتب إليه: قد عهدت كتابك، وما ذكرت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد علمت أنها كانت ضجرة لشغلي, وما كنت فيه من الفتنة التي شهرت فيها نفسك، فأنظرني ثلاثًا، فقدم كتابه على ثابت فقرأه على قومه، وصبحهم العطاء في اليوم الرابع. قال ابن القداح: حدثني بهذا الحديث كله محمد بن صالح بن د ينار مرسلًا, وحدثني به ابنه صالح بن محمد قال: سمعت يعقوب بن عمر بن قتادة يحدث بهذا الحديث, ثم أتاه بعد, فأقام عنده, فمكث نحوًا من شهرين لا يلتفت إليه, ثم استأذنه للخروج فبعث إليه بمائة ألف درهم، فوضعها في منزله وتركها وخرج.
* عن عروة بن الزبير قال: أن المسور بن مخرمة أخبره أنه قدم وافدًا على معاوية بن أبى سفيان فقضى حاجته، ثم دعاه فأخلاه فقال: يا مسور ما فعل طعنك على الأئمة؟ فقال: المسور دعنا من هذا وأحسن فيما قدمنا له. قال: معاوية لا والله لتكلمنّ بذات نفسك، والذي تعيب عليّ, قال المسور: فلم أترك شيئًا أعيبه عليه إلا بينته له, قال معاوية: لا برئ من الذنب، فهل تعد يا مسور مالي من الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشر أمثالها؟ أم تعد الذنوب, وتترك الحسنات, قال المسور: لا والله ما نذكر إلا ما ترى من هذه الذنوب. قال معاوية: فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه, فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم يغفرها الله؟ قال مسور: نعم! قال معاوية: فما يجعلك أحق أن ترجو المغفرة مني؟ فوالله لما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي, ولكن والله لا أخير بين أمرين، بين الله وبين غيره إلا اخترت الله تعالى على ما سواه، وأنا على دين يقبل الله فيه العمل، ويجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب، إلا أن يعفو عمن يشاء، فأنا احتسب كل حسنة عملتها بأضعافها، وأوازي أمورًا عظامًا لا أحصيها ولا تحصيها، من عمل الله في إقامة صلوات المسلمين، والجهاد في سبيل الله عز وجل، والحكم بما أنزل الله تعالى، والأمور التى لست تحصيها وإن عددتها لك، فتفكر في ذلك. قال المسور: فعرفت أن معاوية قد خصمني حين ذكر لي ما ذكر, قال عروة: فلم يسمع المسور بعد ذلك يذكر معاوية إلا استغفر له.
* عن ابن الأكفاني قال: حججت في بعض السنين وحج في تلك السنة أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي، وأبو بكر الأدمي القارئ، فلما صرنا بمدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، جاءني أبو القاسم البغوي فقال لي: يا أبا بكر ههنا رجل ضرير قد جمع حلقة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, وقعد يقص, ويروى الكذب من الأحاديث الموضوعة، والأخبار المفتعلة، فإن رأيت أن تمضي بنا إليه لننكر عليه ذلك, وتمنعه منه؟ فقلت له: يا أبا القاسم إن كلامنا لا يؤثر مع هذا الجمع الكثير، والخلق العظيم، ولسنا ببغداد فيعرف لنا موضعنا، وننزّل منازلنا، ولكن ههنا أمر آخر وهو الصواب؛ وأقبلت على أبى بكر الأدمي فقلت: استعد واقرأ, فما هو إلا أن ابتدأ بالقراءة حتى انفلت الحلقة، وانفصل الناس جميعًا, وأحاطوا بنا يسمعون قراءة أبى بكر, وتركوا الضرير وحده، فسمعته يقول لقائده: خذ بيدي فهكذا تزول النعم.
* عن ابن أبي ذئب قال للمنصور: يا أمير المؤمنين قد هلك الناس، فلو أعنتهم بما في يديك من الفيء؟ قال: ويلك لو لا ما سددت من الثغور, وبعثت من الجيوش لكنت تؤتى في منزلك وتذبح, فقال ابن أبي ذئب: فقد سد الثغور, وجيش الجيوش, وفتح الفتوح, وأعطى الناس أعطياتهم من هو خير منك, قال: ومن هو ويلك؟ قال: عمر بن الخطاب. فنكس المنصور رأسه، والسيف بيد المسيب، والعمود بيد مالك بن الهيثم، فلم يعرض له, والتفت إلى محمد بن إبراهيم الإمام, فقال: هذا الشيخ خير أهل الحجاز.
* عن عبد الصمد قال: اكتبوا بما ترون إلى أمير المؤمنين. قال: وكان عبد الصمد لما بلغه الخبر حل عنه الوثاق, وألبسه ثيابًا, وكنس البيت الذي كان فيه ورشه ثم أدخلهم عليه فقال لهم الرسول: اكتبوا بما رأيتم, فأخذوا يكتبون: يشهد فلان، وفلان، فقال ابن أبي ذئب: لا تكتب شهادتي أنا أكتب شهادتي بيدي، إذا فرغت فارم إلي بالقرطاس, فكتبوا محبسًا لينًا، ورأينا هيأة حسنة، وذكروا ما يشبه هذا الكلام, قال: ثم دفع القرطاس إلى ابن أبي ذئب, فلما نظر في الكتاب, فرأى هذا الموضع, قال: يا مالك داهنت, وفعلت, وفعلت, وملت إلى الهوى، لكن اكتب: رأيت محبسًا ضيقًا, وأمرًا شديدًا، قال فجعل يذكر شدة الحبس, قال: وبعث بالكتاب إلى أبي جعفر, قال: فقدم أبو جعفر حاجًّا فمر بالمدينة فدعاهم، فلما دخلوا عليه جعلوا يذكرون, وجعل ابن أبي ذئب يذكر شدة الحبس وضيقه، وشدة عبد الصمد, وما يلقون منه, قال: وجعل أبو جعفر يتغير لونه, وينظر إلى عبد الصمد غضبان، قال الحسن بن زيد: فلما رأيت ذلك رأيت أن ألينه، وخشيت على عبد الصمد من أبي جعفر أن يعجل عليه, فقلت: يا أمير المؤمنين, ويرضى هذا أحدًا؟ قال ابن أبي ذئب: أما والله إن سألني عنك لأخبرنه, فقال أبو جعفر: وإني أسألك؟ فقال: يا أمير المؤمنين ولي علينا ففعل بنا وفعل وأطنب فيّ، فلما ملأ ني غيظًا قلت: أفيرضى هذا أحدًا يا أمير المؤمنين؟ سله عن نفسك، فقال له أبو جعفر: فإني أسألك عن نفسي؟ قال: لا تسألني. فقال: أنشدك بالله كيف تراني؟ قال: اللهم لا أعلمك إلا ظالما جائرًا, قال: فقام إليه, وفي يده عمود، فجلس قربه, قال الحسن بن زيد: فجمعت إليّ ثوبي مخافة أن يصيبني من دمه. فقلت: ألا تضرب العمود؟ فجعل يقول له: يا مجوسي أتقول هذا لخليفة الله في أرضه؟ وجعل يرددها عليه، وابن أبي ذئب يقول: نشدتني بالله, يا عبد الله إنك نشدتني بالله قال: ولم ينله بسوء. قال: وتفرقوا على ذلك. قال أبو زكريا العابد: وحدثني بهذا الحديث كله أبو عيسى كوفي نخعي وزاد فيه: فلمّا كان الغد دعي به ليدخل على أبى جعفر, وكان لأبي جعفر خادم كريم عليه، قال أبو عيسى: حدثني فلان قال: فلقد رأيت ذلك الخادم حين دنا ابن أبى ذئب من الباب ليدخل على أبي جعفر قام إليه الخادم، وكان أمر أن يدخله، فجعل يمس على صدر ابن أبي ذئب ويقول: مرحبًا برجل لا تأخذه في الله لومة لائم.
* عن أبي العيناء قال: كنا مع المأمون في طريق الشام, فأمر فنودي بتحليل المتعة, فقال لنا يحيى بن أكثم: بكرا غدًا إليه, فإن رأيتما للقول وجهًا, فقولا, وإلا فاسكتا إلى أن أدخل. قال: فدخلنا إليه, وهو يستاك, ويقول - وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله, وعلى عهد أبي بكر, وأنا أنهى عنهما, ومن أنت يا أحول حتى تنهى عما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -, وأبو بكر, فأومات إلى محمد بن منصور أن أمسك رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلمه نحن, فأمسكنا, وجاء يحيى, فجلس, وجلسنا فقال المأمون ليحيى: مالي أراك متغيرًا. قال: هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام. قال: وما حدث فيه؟ قال: النداء بتحليل الزنا. قال: الزنا! قال: نعم المتعة. قال: ومن أين قلت هذا؟ قال: من كتاب الله. وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, قال الله تعالى:) قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( [المؤمنون:1] إلى قوله) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ( [المؤمنون:5،7] يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا! قال: فهي الزوجة التي عني الله ترث وتورث, ويلحق الولد, ولها شرائطها؟ قال: لا! قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين. وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما محمد بن علي عن علي بن أبي طالب قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها, بعد أن كان أمر بها. فالتفت إلينا المأمون, فقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري؟ فقلنا: نعم يا أمير المؤمنين. رواه جماعة منهم مالك. فقال: أستغفر الله, نادوا بتحريم المتعة فنادوا بها.
* عن عمر بن حبيب قال: حضرت مجلس هارون الرشيد, فجرت مسألة, فتنازعها الحضور, وعلت أصواتهم, فاحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرفع بعضهم الحديث, وزادت المدافعة والخصام حتى قال قائلون منهم: لا يحل هذا الحديث عن رسول الله, فإن أبا هريرة متهم فيما يرويه وصرحوا بتكذيبه, ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم, ونصر قولهم, فقلت أنا: الحديث صحيح عن رسول الله, وأبو هريرة صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن نبي الله وغيره, فنظر إلي الرشيد نظر مغضب, فقمت من المجلس, فانصرفت إلى منزلي, فلم ألبث حتى قيل صاحب البريد بالباب, فدخل عليَّ فقال: لي أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول, وتحنط, وتكفن, فقلت: اللهم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيك, وأجللت نبيك أن يطعن على أصحابه, فسلمني منه, فأدخلت على الرشيد, وهو جالس على كرسي من ذهب حاسر عن ذراعيه بيده السيف, وبين يديه النطع, فلما بصر بي قال لي: يا عمر بن حبيب ما تلقاني أحد من الرد والدفع لقولي ليس بمثل ما تلقيتني به, فقلت: يا أمير المؤمنين إن الذي قلته, وجادلت عليه فيه إزراء على رسول الله, وعلى ما جاء به إذا كان أصحابه كذابين, فالشريعة باطلة, والفرائض, والأحكام في الصيام, والصلاة, والطلاق, والنكاح, والحدود كله مردود غير مقبول, فرجع إلى نفسه, ثم قال لي: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله, أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله, وأمر لي بعشرة آلاف درهم.