فهرس الكتاب

الصفحة 332 من 593

* عن أبي الحسن محمد بن خلال البصري قال: أن القضاة والشهود بمدينة السلام أدخلوا على المعتمد على الله للشهادة عليه في دين كان اقتراضه عند الإضافة بالإنفاق على صاحب الزنج، فلما مثلوا بين يديه قرأ عليهم إسماعيل بن بلبل الكتاب, ثم قال: إن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه يأمركم أن تشهدوا عليه بما في هذا الكتاب، فشهد القوم حتى بلغ الكتاب إلى الجذوعي القاضي، فأخذه بيده وتقدم إلى السرير, فقال: يا أمير المؤمنين أشهد عليك بما في هذا الكتاب؟ فقال: اشهد, فقال: إنه لا يجوز أن أشهد أو تقول: نعم! أفأشهد عليك؟ قال: نعم! فشهد في الكتاب ثم خرج. فقال المعتمد: من هذا؟ فقيل له الجذوعي البصري, فقال: وما إليه؟ فقالوا: ليس إليه شيء, فقال: مثل هذا لا ينبغي أن يكون مصروفًا، فقلدوه واسطًا، فقلده إسماعيل وانحدر. فاحتاج الموفق يومًا إلى مشاورة الحاكم فيما يشاور في مثله، فقال استدعوا القاضي فحضر وكان قصيرًا له دبية طويلة فدخل في بعض الممرات ومعه غلام له، فلقيه غلام كان للموفق وكان شديد التقدم عنده وكان مخمورًا أو سكران، فصادفه في مكان خال من الممر فوضع يده في دبيته حتى غاص رأسه فيها وتركه ومضى، فجلس الجذوعي في مكانه وأقبل غلامه حتى فتقها وأخرج رأسه منها، وثنى رداءه على رأسه, وعاد إلى داره. وأحضر الشهود، فأمرهم بتسلم الديوان ورسل الموفق يترددون وقد سترت الحال عنه حتى قال بعض الشهود لبعض الرسل الخبر, فعاد إلى الموفق فأخبره بذلك, فأحضر صاحب الشرطة وأمره بتجريد الغلام وحمله إلى باب دار القاضي وضربه هناك ألف سوط، وكان والد هذا الغلام من جلة القواد ومحله محل من ولوهم بالعصيان لأطاعه أكثر الجيش، فلم يقل شيئًا وترجل القوّاد وصاروا إليه وقالوا: مرنا بأمرك, فقال: إن الأمير الموفق أشفق عليه مني, فمشى القواد بأسرهم مع الغلام إلى باب الجذوعي فدخلوا إليه وضرعوا له فأدخل صاحب الشرطة والغلام. فقال: لا تضربه, فقال: لا أقدم على خلاف الموفق. فقال: إني أركب إليه وأزيل ذلك عنه، فركب فشفع له وصفح عنه.

* عن سعيد بن المسيب قال: أصلحت بين علي وعثمان ثم لم يبرحا حتى استغفر كل واحد منهما لصاحبه.

* عن أبي عبيد الله قال: سمعت أمير المؤمنين المنصور يقول: الخليفة لا يُصلحه إلا التقوى, والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة, والرعية لا يصلحها إلا العدل, وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة, وأنقص الناس عقلًا من ظلم من هو دونه.

* تكلم عبد الله بن عياش المنتوف بكلام أراد به مساءة عمر بن ذر فقام عمر, فدخل منزله ـ وكان ابن عمه ـ فندم ابن عياش فأتى عمر, فقال: أتدخل الظالم؟ فقال: نعم مغفورًا له, والله ما كافأت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه.

* عن بكر بن شاذان وأبي الفضل التميمي أنه جرى بينهما كلام, فبدرت من أبي الفضل كلمة ثقلت على بكر وانصرف, ثم ندم التميمي فقصد أبا بكر بن يوسف وقال له: قد كلمت بكرًا بشيء جفا عليه وندمت على ذلك, وأريد أن تجمع بيني وبينه, فقال له ابن يوسف: سوف نخرج لصلاة العصر فخرج بكر وجاء إلى ابن يوسف والتميمي عنده فقال له: التميمي أسألك بالله أن تجعلني في حل, فقال بكر: سبحان الله والله ما فارقتك حتى أحللتك, وانصرف فقال التميمي: قال لي والدي: يا عبد الواحد احذر من أن تخاصم من إذا نمت كان منتبهًا.

* عن مبارك بن فضالة قال: وفد ابن سوار في وفد من أهل البصرة إلى أبي جعفر، فإنا لعنده ذات يوم, إذ أتي برجل فأمر بقتله, فقلت في نفسي: يقتل رجل من المسلمين وأنا حاضر، فقلت: يا أمير المؤمنين ألا أحدثك حديثا سمعته من الحسن؟ قال: وما هو؟ قلت: حدثنا الحسن قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة جمع الناس في صعيد واحد حيث يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، فيقوم مناد من عند الله فيقول: ليقومن من له على الله يد فلا يقومن إلا من عفا» فأقبل عليَّ فقال: آلله لسمعته من الحسن؟ قال قلت: آلله لسمعته من الحسن، قال: خليا عنه.

· عن أبي بكر بن أبي الأزهر قال: دعاني يومًا علي بن إبراهيم بن موسى كاتب مسرور البلخي, فتشاغلت عن المضي إليه, فلما كان في اليوم الثاني بكرت إليه معتذرًا, فتلقاني في بعض داره, وهو يريد المضي إلى الحسن بن إسماعيل بن إسحاق القاضي, فقال لي: انتظرني قليلًا فإني أريد دخول الحمام, فدخلت إلى الموضع الذي يجلس فيه, وتقدم إلى غلمانه أن يغيبوا سرج الحمار ولجامه عني, فإن طلبته قالوا: الحمار عري, ما ندري أين سرجه؟ وأقمت كذلك مرة أعذل الغلام, ومرة أهم بضربه, فلما انتصف النهار عرفت أنه في دعوة الحسن بن إسماعيل, فكتبت إليه رقعة فيها:

يا بن قاضي القضاة والحكام…وكريم الأخوال والأعمام

يا بن من بينت به سنن الدين…وتمت شرائع الإسلام

اقض بيني وبين خلك والمصفي…لك الود من جميع الأنام

إنه كادني بأخذ حماري…وتعدى في سرجه واللجام

ومنعت الخروج ظلمًا وألجئت…إلى الرفق صاغرًا بالغلام

مرة أثني عليه بضرب…غير مجد ومرة بالكلام

وهو في كل حالة مستخف…بأموري مزاول ارغامي

وأشد الأمور أني قد جعت…كأني محالف للصيام

فتراه أجاز أخذ حماري…أتراه يجيز منع الطعام

كل ما نالني ففيه لي الذنب…وإلا فلم رددت غلامي

وطلبت من يحمل الرقعة إليه فرأيت امرأة من دار القاضي إسماعيل بن إسحاق تأنس بهم, فدفعت الرقعة إليها, وقلت: أوصليها إلى أبي علي بن القاضي, فأوصلتها إلى القاضي بنفسه, فقرأها, وقلبها ووقع عليها بخطه: يا بني هذا الرجل متظلم منكم فأنصفوه, وبعث بها إلى ابنه, فلما قرأها وجهوا إليَّ يسألوني المضي إليهم, فوافي الرسول, وقد انصرفت فلم يلقني.

* كان رجل من دار عمر بن الخطاب لا يلقى ابن أبي داؤد في محفل ولا وحده إلا لعنه ودعا عليه، وابن أبي داؤد لا يرد عليه شيئًا. قال محمد: فعرضت لذلك الرجل حاجة إلى المعتصم, فسألني أن أرفع قصته إليه, فمطلته, وأتيت ابن أبي داؤد, فلما ألح علي أن أوصل قصته إليه, وندمت من مطلي, فدخلت ذات يوم على أمير المؤمنين, وقصته معي, واغتنمت غيبة ابن أبي داؤد رفعت قصته إليه, فهو يقرأها إذ دخل ابن أبي داؤد, والقصة في يد أمير المؤمنين يقرأها, فلما قرأها دفعها إلى ابن أبي داؤد, فلما نظر إليها, واسم الرجل في أولها. قال: يا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب, يا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب, يا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب, يا أمير المؤمنين ينبغي أن تقضي لولده كل حاجة له, فوقع له أمير المؤمنين بقضاء الحاجة. قال محمد بن عبد الملك: فخرجت والرجل جالس, فدفعت إليه القصة, وقلت: تشكر لأبي عبد الله القاضي, فهو الذي أعتق قصتك, وسأل أمير المؤمنين في قضاء حاجتك. قال: فوقف ذلك الرجل حتى خرج ابن أبي داؤد فجعل يدعو له, ويتشكر له, فقال له: اذهب عافاك الله فإني إنما فعلت ذلك لعمر بن الخطاب لا لك.

* عن إبراهيم بن محمد بن عرفة قال: خرج المهدي يومًا إلى الصيد فانقطع عن خاصته, فدفع إلى أعرابي وهو يريد البول فقال: يا أعرابي احفظ عليَّ فرسي حتى أبول فسعى نحوه, وأخذ بركابة, فنزل المهدي, ودفع الفرس إليه, فأقبل الأعرابي على السرج يقلع حليته, وفطن المهدي وقد أخذ حاجته, فقدم إليه فرسه, وجاءت الخيل نحوه, وأحاطت به ونذر بها الأعرابي فولى هاربًا, فأمر برده وخاف أن يكون قد غمز به فقال: خذوا ما أخذنا منكم ودعونا نذهب إلى حرق الله وناره, فقال المهدي: وصاح به تعال لا بأس عليك, فقال: ما تشاء جعلني الله فداء فرسك؟ فضحك من حضره وقالوا: ويلك هل رأيت إنسانًا قط قال هذا؟ قال: فما أقول؟ قالوا: قل: جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين. قال: أو هذا أمير المؤمنين؟ قالوا: نعم. قال: والله لئن أرضاه هذا مني ما يرضيني ذاك فيه, ولكن جعل الله جبريل وميكائيل فداءه, وجعلني فداءهما, فضحك المهدي واستطابه, وأمر له بعشرة آلاف درهم, فأخذها وانصرف.

* عن إبراهيم بن محمد بن عرفة قال: تحول المنصور إلى مدينة السلام, واستتم بناءها سنة ست وأربعين ثم كتب إلى أهل المدينة: أن يوفدوا عليه خطباءهم وشعرائهم فكان فيمن وفد عليه إبراهيم بن هرمة, قال: فلم تكن في الدنيا خطبة أبغض إليَّ من خطبة تقربني منه, واجتمع الخطباء والشعراء من كل مدينة وعلى المنصور ستر يرى الناس من ورائه, ولا يرونه وأبو الخصيب حاجبه قائم يقول: يا أمير المؤمنين هذا فلان الخطيب, فيقول: اخطب ويقول: هذا فلان الشاعر, فيقول: أنشد حتى كنت آخر من بقي, فقال: يا أمير المؤمنين: هذا ابن هرمة, فسمعته يقول: لا مرحبًا ولا أهلًا ولا أنعم الله به عينا, فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون ذهبت والله نفسي, ثم رجعت إلى نفسي, فقلت: يا نفس هذا موقف, إن لم تشتدي فيه هلكت, فقال أبو الخصيب أنشد: فأنشدته:

سرى ثوبه عنك الصبي المتخايل ... وقرب للبين الخليط المزايل

حتى انتهيت إلى قولي:

له لحظات في خفاء سريرة…أذاكرها فيها عقاب ونائل

فأما الذي أمنته يأمن الردى ... وأما الذي حاولت بالثكل ثاكل

فقال: يا غلام ارفع عني الستر, فرفع فإذا وجهه كأنه فلقة قمر, ثم قال: تمم القصيدة فلما فرغت, قال: أدن فدنوت, ثم قال: اجلس, فجلست وبين يديه مخصرة, فقال: يا إبراهيم قد بلغتني عنك أشياء لولا ذلك لفضلتك على نظرائك, فأقر لي بذنوبك أعفها عنك, فقلت: هذا رجل فقيه عالم وإنما يريد أن يقتلني بحجة تجب علي, فقلت: يا أمير المؤمنين كل ذنب بلغك مما عفوته عني فأنا مقر به, فتناول المخصرة فضربني بها فقلت:

أصبر من ذي ضاغط عركرك…ألقي بواني زوره للمبرك

ثم ثني فضربني فقلت:

أصبر من عود بجنبيه جلب…قد أثر البطان فيه والحقب

فقال: قد أمرت لك بعشرة آلاف درهم وخلعة وألحقتك بنظرائك من طريح بن إسماعيل ورؤبة بن العجاج, ولئن بلغني عنك أمر أكرهه لأقتلنك, قلت: نعم أنت في حل وفي سعة من دمي إن بلغك أمر تكرهه، قال بن هرمة: فأتيت المدينة فأتاني رجل من الطالبيين, فسلم عليّ فقلت: تنح عني لا تشيط بدمي.

* عن محمد بن إبراهيم بن خلاد قال: لما طال على إبراهيم بن شكلة الاختفاء, وضجر كتب إلى المأمون: وليّ الثار محكم في القصاص, والعفو أقرب للتقوى, ومن تناوله الاغترار بما مُد له من أسباب الرجاء أمن غادية الدهر على نفسه, وقد جعل الله أمير المؤمنين فوق كل ذي عفو كما جعل كل ذي ذنب دونه, فإن عفا فبفضله, وإن عاقب فبحقه, فوقع المأمون في قصته أمانه, وقال فيها: القدرة تذهب الحفيظة, وكفي بالندم إنابة، وعفو الله أوسع من كل شيء, ولما دخل إبراهيم على المأمون قال:

إن أكن مذنبا فحظي أخطأت…فدع عنك كثرة التأنيب

قل كما قال يوسف لبني يعقوب…لما أتوه لا تثريب

فقال: لا تثريب.

* عن أبي حميد بن فروة قال: لما استقرت للمأمون الخلافة دعا إبراهيم بن المهدي المعروف بابن شكلة فوقف بين يديه فقال: يا إبراهيم أنت المتوثب علينا تدعى الخلافة؟ فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، أنت ولي الثار, والمحكم في القصاص, والعفو أقرب للتقوى, وقد جعلك الله فوق كل ذي عفو كما جعل كل ذي ذنب دونك, فإن أخذت أخذت بحق, وإن عفوت عفوت بفضل, ولقد حضرت أبي وهو جدك وأتى برجل وكان جرمه أعظم من جرمي فأمر بقتله, وعنده المبارك بن فضالة, فقال المبارك: إن رأى أمير المؤمنين أن يستأني في أمر هذا الرجل حتى أحدثه بحديث سمعته من الحسن. قال: إيه يا مبارك, فقال: حدثنا الحسن بن عمران بن الحصين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش آلا ليقومن العافون من الخلفاء إلى أكرم الجزاء فلا يقوم إلا من عفا» فقال الخليفة: أيها يا مبارك قد قبلت الحديث بقبوله, وعفوت عنك هاهنا يا عم, هاهنا يا عم.

* عن إسحاق الموصلي قال: كان في قلب محمد بن زبيدة عليَّ شيء, فأهديت إليه جارية ومعها هدية, فردها فكتبت إليه:

هتكت الضمير برد اللطف…وكشفت أمرك لي فانكشف

فإن كنت تحقد شيئًا مضى…فهب للخلافة ما قد سلف

وجد لي بالعفو عن زلتي…فبالفضل يأخذ أهل الشرف

فلم يفعل فكتبت إليه:

أتيت ذنبًا عظيمًا…وأنت أعلم منه

فخذ بحقك أولا…فاصفح بفضلك عنه

* عن أبي نواس قال:

تعاظمني ذنبي فلما قرنته…بعفوك ربي كان عفوك أعظما

فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل…تجود وتعفو منة وتكرما

ولولاك لم يغوى بإبليس عابد…وكيف وقد أغوى صفيك آدما

* عن حميد بن الصباح مولى المنصور قال: أراد المنصور أن يذرع الكرخ فقال لي: احمل الذراع معك, فخرج وخرجت معه, ونسيت أن أحمل الذراع, فلما صرنا بباب الشرقية قال لي: أين الذراع؟ فدهشت, وقلت: أنسيته يا أمير المؤمنين, فضربني بالمقرعة, فشجني وسال الدم على وجهي, فلما رآني قال: أنت حر لوجه الله. حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من ضرب عبده في غير حد حتى يسيل دمه فكفارته

عتقه».

* عن سمنون قال: إذا بسط الجليل غدًا بساط المجد دخلت ذنوب الأولين والآخرين في حواشيه, وإذا بدت عين من عيون الجود ألحقت المسيئين بالمحسنين.

* عن عبد الله بن الفرج قال: سلوا الله عفوًا جميلا وقال: فقلنا: يا أبا محمد أي شيء العفو الجميل؟ قال: أن يأمر بك من الموقف, ولا يفتشك.

* عن قطن بن معاوية الغلابي قال: كنت ممن سارع إلى إبراهيم واجتهد معه, فلما قتل طلبني أبو جعفر, واستخفيت فقبض أموالي ودوري, ولحقت بالبادية فجاورت في بني نصر بن معاوية, ثم في بني كلاب, ثم في بني فزارة, ثم في بني سليم ثم تنقلت في بلاد قيس أجاورهم حتى ضقت ذرعًا بالاستخفاء, فأزمعت على القدوم على أبي جعفر, والاعتراف له فقدمت البصرة, فنزلت في طرف منها, ثم أرسلت إلى أبي عمرو بن العلاء, وكان لي ودًا فشاورته في الذي أزمعت عليه, فقبل رأيي وقال: والله إذا ليقتلنك, وإنك لتعين على نفسك, فلم التفت إليه, وشخصت حتى قدمت بغداد, وقد بنى أبو جعفر مدينته ونزلها وليس من الناس أحد يركب فيها ما خلا المهدي, فنزلت الخان ثم قلت لغلماني: أنا ذاهب إلى أمير المؤمنين, فأمهلوا ثلاثًا فإن جئتكم, وإلا فانصرفوا, ومضيت حتى دخلت المدينة فجئت دار الربيع, والناس ينتظرونه, وهو يومئذ داخل المدينة في الشارعة على قصر الذهب, فلم ألبث أن خرج يمشي, فقام إليه الناس, وقمت معهم فسلمت عليه فرد عليَّ, وقال: من أنت؟ قلت: قطن بن معاوية. قال: انظر ما تقول. قلت: أنا هو, فأقبل على مسودة معه, فقال: احتفظوا بهذا. قال: فلما حرست لحقتني ندامة وتذكرت رأي أبي عمرو, فتأسفت عليه, ودخل الربيع فلم يطل حتى خرج بخصي, فأخذ بيدي فأدخلني قصر الذهب, ثم أتى بيتًا حصينًا, فأدخلني فيه, ثم أغلق بابه, وانطلق فاشتدت ندامتي وأيقنت بالبلاء, وخلوت بنفسي ألومها, فلما كانت الظهر أتاني الخصى بماء فتوضات وصليت, وأتاني بطعام فأخبرته أني صائم, فلما كانت المغرب أتاني بماء فتوضات وصليت, وأرخى عليَّ الليل سدوله, فيئست من الحياة, وسمعت أبواب المدينة تغلق وأقفالها تشدد, فامتنع مني النوم, فلما ذهب صدر الليل أتاني الخصي, ففتح عني ومضى بي, فأدخلني صحن دار ثم أدناني من ستر مسدول, فخرج علينا خادم, فأدخلنا فإذا أبو جعفر وحده والربيع قائم في ناحية فأكب أبو جعفر هنيهة مطرقًا, ثم رفع رأسه, فقال: هيه. قلت: يا أمير المؤمنين أنا قطن بن معاوية قد والله جهدت عليك جهدي, فعصيت أمرك, وواليت عدوك, وحرصت على أن أسلبك ملكك, فإن عفوت فأهل ذاك أنت, وإن عاقبت فبأصغر ذنوبي تقتلني. قال: فسكت هنيهة, ثم قال: هيه, فأعدت مقالتي, فقال: فإن أمير المؤمنين قد عفا عنك. فقلت: يا أمير المؤمنين إني أصير من وراء بابك, فلا أصل إليك, وضياعي ودوري فهي مقبوضة, فإن رأى أمير المؤمنين أن يردها فعل فدعا بالدواة, ثم أمر خادمًا فكتب بإملائه إلى عبد الملك بن أيوب النميري, وهو يومئذ على البصرة إن أمير المؤمنين قد رضي عن قطن بن معاوية, ورد عليه ضياعه ودوره, وجميع ما قبض له فاعلم ذلك, وأنفذه إن شاء الله. قال: ثم ختم الكتاب, ودفعه إليَّ فخرجت من ساعتي لا أدري أين أذهب فإذا الحرس بالباب, فجلست جانب أحدهم أحدثه, فلم ألبث أن خرج علينا الربيع, فقال: أين الرجل الذي خرج آنفا؟ فقمت إليه فقال: انطلق أيها الرجل فقد والله سلمت. انطلق بي إلى منزله فعشاني وأفرشني فلما أصبحت ودعته, وأتيت غلماني فأرسلتهم يكترون لي فوجدوا صديقًا لي من الدهاقين من أهل ميسان قد اكترى سفينة لنفسه, فحملني معه فقدمت على عبد الملك بن أيوب بكتاب أبي جعفر فأقعدني عنده, فلم أقم حتى رد علي جميع ما اصطفي لي.

* قال محمد بن الحسن المخزومي وغيره: أن عبد العزيز بن عبد الله كان ممن أسر مع محمد بن عبد الله بن حسن، فلما قتل محمد حمل عبد العزيز إلى أمير المؤمنين المنصور في حديد، فلما أدخل عليه قال له: ما رضيت أن خرجت عليَّ حتى خرجت معك بثلاثة أسياف من ولدك؟! فقال له عبد العزيز: يا أمير المؤمنين صل رحمي، واعف عني، واحفظ في عمر بن الخطاب. فقال: افعل، فعفا عنه فقال له عبد الله بن الربيع المداني: يا أمير المؤمنين أضرب عنقه لا يطمع فيك فتيان قريش، فقال له أمير المؤمنين المنصور: إذا قتلت هذا فعلى من أحب أن أتأمَّر؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت