* عن عبد الصمد قال: اكتبوا بما ترون إلى أمير المؤمنين. قال: وكان عبد الصمد لما بلغه الخبر حل عنه الوثاق, وألبسه ثيابًا, وكنس البيت الذي كان فيه ورشه ثم أدخلهم عليه فقال لهم الرسول: اكتبوا بما رأيتم, فأخذوا يكتبون: يشهد فلان، وفلان، فقال ابن أبي ذئب: لا تكتب شهادتي أنا أكتب شهادتي بيدي، إذا فرغت فارم إلي بالقرطاس, فكتبوا محبسًا لينا، ورأينا هيأة حسنة، وذكروا ما يشبه هذا الكلام, قال: ثم دفع القرطاس إلى ابن أبي ذئب, فلما نظر في الكتاب, فرأى هذا الموضع, قال: يا مالك داهنت, وفعلت, وفعلت, وملت إلى الهوى، لكن اكتب: رأيت محبسًا ضيقًا, وأمرًا شديدًا، قال فجعل يذكر شدة الحبس, قال: وبعث بالكتاب إلى أبي جعفر, قال: فقدم أبو جعفر حاجًّا فمر بالمدينة فدعاهم، فلما دخلوا عليه جعلوا يذكرون, وجعل ابن أبي ذئب يذكر شدة الحبس وضيقه، وشدة عبد الصمد, وما يلقون منه, قال: وجعل أبو جعفر يتغير لونه, وينظر إلى عبد الصمد غضبان، قال الحسن بن زيد: فلما رأيت ذلك رأيت أن ألينه، وخشيت على عبد الصمد من أبي جعفر أن يعجل عليه, فقلت: يا أمير المؤمنين, ويرضى هذا أحدا؟ قال ابن أبي ذئب: أما والله إن سألني عنك لأخبرنه, فقال أبو جعفر: وإني أسألك؟ فقال: يا أمير المؤمنين ولي علينا ففعل بنا وفعل وأطنب في ّ، فلما ملأني غيظًا قلت: أفيرضى هذا أحدًا يا أمير المؤمنين؟ سله عن نفسك، فقال له أبو جعفر: فإني أسألك عن نفسي؟ قال: لا تسألني. فقال: أنشدك بالله كيف تراني؟ قال: اللهم لا أعلمك إلا ظالمًا جائرًا, قال: فقام إليه, وفي يده عمود، فجلس قربه, قال الحسن بن زيد: فجمعت إليّ ثوبي مخافة أن يصيبني من دمه. فقلت: ألا تضرب العمود؟ فجعل يقول له: يا مجوسي أتقول هذا لخليفة الله في أرضه؟ وجعل يرددها عليه، وابن أبي ذئب يقول: نشدتني بالله, يا عبد الله إنك نشدتني بالله قال: ولم ينله بسوء. قال: وتفرقوا على ذلك. قال أبو زكريا العابد: وحدثني بهذا الحديث كله أبو عيسى كوفي نخعي وزاد فيه: فلمّا كان الغد دعي به ليدخل على أبى جعفر, وكان لأبي جعفر خادم كريم عليه، قال أبو عيسى: حدثني فلان قال: فلقد رأيت ذلك الخادم حين دنا ابن أبى ذئب من الباب ليدخل على أبي جعفر قام إليه الخادم، وكان أمر أن يدخله، فجعل يمس على صدر ابن أبي ذئب ويقول: مرحبًا برجل لا تأخذه في الله لومة لائم.
*عن شعيب بن حرب قال: بينا أنا في طريق مكة إذ رأيت هارون الرشيد, فقلت لنفسي: قد وجب عليك الأمر والنهى, فقالت لي: لا تفعل؛ فإن هذا رجل جبار, ومتى أمرته ضرب عنقك, فقلت لنفسي: لا بد من ذلك, فلما دنا منى صحت: يا هارون قد أتعبت الأمة, وأتعبت البهائم, فقال: خذوه, فأدخلت عليه, وهو على كرسي, وبيده عمود يلعب به, فقال: ممن الرجل؟ قلت: من افناء الناس, فقال: ممن ثكلتك أمك؟ قلت: من الأبناء، قال: فما حملك على أن تدعوني باسمي؟ قال شعيب: فورد على قلبي كلمة ما خطرت لي قط على بال, قال فقلت له: أنا أدعو الله باسمه, فأقول: يا الله يا رحمن, ولا أدعوك باسمك, وما تنكر من دعائي باسمك, وقد رأيت سمى في كتابه أحب الخلق إليه محمدًا, وكنى أبغض الخلق إليه أبا لهب, فقال:) تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ( [المسد:1] , فقال: أخرجوه, فأخرجوني.
* عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي قال: أرسل إليَّ أبو جعفر المنصور, فقدمت عليه, فدخلت, والربيع قائم على رأسه, فاستدناني, ثم قال لي: يا عبد الرحمن كيف ما مررت به من أعمالنا إلى أن وصلت إلينا؟ قال: قلت: رأيت يا أمير المؤمنين أعمالًا سيئة, وظلمًا فاشيًا ظننته لبعد البلاد منك, فجعلت كلما دنوت منك كان الأمر أعظم, قال: فنكس رأسه طويلًا, ثم رفعه إلي فقال: كيف لي بالرجال؟ قلت: أو ليس عمر بن عبد العزيز كان يقول: إن الوالي بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها, فإن كان برًا أتوه ببرهم، وإن كان فاجرًا أتوه بفجورهم, قال: فأطرق طويلًا, فقال لي الربيع: وأومأ إلي أن اخرج فخرجت, وما عدت إليه.
* عن عبد الرزاق بن سليمان بن علي بن الجعد عن أبيه قال: لما أحضر المأمون أصحاب الجوهر، فناظرهم على متاع كان معهم, ثم نهض المأمون لبعض حاجته ثم خرج, فقام كل من كان في المجلس إلا ابن الجعد فإنه لم يقم، قال: فنظر إليه المأمون كهيئة المغضب ثم استخلاه فقال له: يا شيخ ما منعك أن تقوم لي كما قام أصحابك؟ قال أجللت أمير المؤمنين للحديث الذي نأثره عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: وما هو؟ قال علي بن الجعد: سمعت المبارك بن فضالة يقول: سمعت الحسن يقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار» قال: فأطرق المأمون متفكرًا في الحديث, ثم رفع رأسه فقال: لا يشترى إلا من هذا الشيخ، قال: فاشترى منه ذلك اليوم بقيمة ثلاثين ألف دينار.
* عن المدائني قال: مر المنصور بفرج بن فضالة فلم يقم له، فقيل له في ذلك، فقال: خشيت أن يسألني لِمِ قمت؟ ويسأله لِمِ رضيت؟. وفي رواية أنه: أقبل المنصور يومًا راكبًا - والفرج بن فضالة جالس عند باب الذهب - فقام الناس، فدخل من الباب ولم يقم له الفرج, واستشاط غضبًا ودعا به، فقال له: ما منعك من القيام حين رأيتني؟ قال: خفت أن يسألني الله عنه لِمَ فعلت؟ ويسألك لِمَ رضيت؟ وقد كرهه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, قال: فبكى المنصور وقربه وقضى حوائجه.
* عن علي بن المديني قال: ما قام أحد بأمر الإسلام بعد رسول الله ما قام أحمد بن حنبل. قال: قلت له: يا أبا الحسن ولا أبو بكر الصديق؟! قال: ولا أبو بكر الصديق. إن أبا بكر الصديق كان له أعوان, وأصحاب, وأحمد بن حنبل لم يكن له أعوان, ولا أصحاب.
* عن عبد الباقي بن قانع قال: أن يحيى بن أكثم شكى بشر بن الوليد إلى المأمون, وقال: إنه لا ينفذ قضائي, وكان يحيى قد غلب على المأمون حتى كان عنده أكبر من ولده, فأقعده المأمون معه على سريره, ودعا بشر بن الوليد, فقال له: ما ليحيى يشكوك؟ ويقول: إنك لا تنفذ أحكامه. قال: يا أمير المؤمنين سألت عنه بخراسان, فلم يحمد في بلده, ولا في جواره, فصاح به المأمون, وقال: أخرج. فخرج بشر. فقال يحيى: يا أمير المؤمنين قد سمعت فاصرفه, فقال: ويحك هذا لم يراقبني فيك كيف أصرفه؟ ولم يفعل.
* عن سري السقطي قال: مكثت عشرين سنة أطوف بالساحل أطلب صادقًا, فدخلت يومًا إلى مغار, فإذا أنا بزمنى, وعميان, ومجذمين قعود. فقلت: ما تصنعون هاهنا؟ قالوا: ننتظر شخصًا يخرج علينا يمر يده علينا, فنعافى. فقلت: إن كان صادق فاليوم. قال: فجلست, فخرج كهل, وعليه مدرعة من شعر, فسلم, وجلس, ثم أمر يده على عمي هذا فأبصر, وأمر يده على زمانة هذا فصح, وأمر يده على جذام هذا فبرأ, ثم قام موليًا, فضربت يدي إليه, فقال لي: سري خل عني فإنه غيور لا يطلع على سرك فيراك, وقد سكنت إلى غيره فتسقط من عينه.
* عن عبد الله بن محمد العابد قال: جاء كتاب من أسفل في كل مدينة يقرأ على المنابر, ومعه حرسيان, وفيه مكتوب:) وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( [مريم: من الآية12] وكان ولي عهده صبيًا - يعني الخليفة - قال: فلما جاء الكتاب إلى بلخ ليقرأ, فسمع أبو مطيع, فقام فزعًا, ودخل على والي بلخ فقال له: بلغ من خطر الدنيا أنا نكفر بسببها, فكرر مرارًا حتى أبكى الأمير, فقال الأمير لأبي مطيع: إني معك, وإني عامل لا أجترئ بالكلام, ولكن خليت الكورة إليك, وكن مني آمنًا, وقل ما شئت, قال: وكان أبو مطيع يومئذ قاضيًا, قال: فذهب الناس إلى الجمعة, وقال سلم بن سالم: إني معك, وأبو معاذ معك يا أبا مطيع, قال: فجاء سلم إلى الجمعة متقلدًا بالسيف, قال: فلما أذن ارتقى أبو مطيع إلى المنبر, فحمد الله, وأثنى عليه, وصلى على النبي, وأخذ بلحيته فبكى, وقال: يا معشر المسلمين بلغ من خطر الدنيا أن نجر إلى الكفر!! من قال:) وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( [مريم: من الآية12] غير يحيى بن زكريا فهو كافر قال: فرج أهل المسجد بالبكاء, وقام الحرسيان فهربا.
* عن عمر بن الهياج بن سعيد قال: أتته امرأة يومًا - يعني شريكًا - من ولد جرير بن عبد الله البجلي صاحب النبي, وهو في مجلس الحكم, فقالت: إنا بالله, ثم بالقاضي, امرأة من ولد جرير بن عبد الله صاحب النبي, ورددت الكلام. فقال: أيها عنك الآن من ظلمك؟ فقالت: الأمير موسى بن عيسى, كان لي بستان على شاطئ الفرات لي فيه نخل ورثته من آبائي, وقاسمت إخوتي, وبنيت بيني وبينهم حائطًا, وجعلت فيه فارسيًا, في بيت يحفظ النخل, ويقوم ببستاني, فاشترى الأمير موسى بن عيسى من إخوتي جميعًا, وساومني وأرغبني, فلم أبعه فلما كان في هذه الليلة بعث بخمسمائة فاعل, فاقتلعوا الحائط, فأصبحت لا أعرف من نخلي شيئًا, واختلط بنخل إخوتي. فقال: يا غلام طينة فختم ثم قال لها: أمضي إلى بابه حتى يحضر معك, فجاءت المرأة بالطينة, فأخذها الحاجب, ودخل على موسى. فقال: أعدى شريك عليك. قال: ادع لي صاحب الشرط, فدعا به فقال: امض إلى شريك فقل: يا سبحان الله! ما رأيت أعجب من أمرك, امرأة ادعت دعوى لم تصح أعديتها عليَّ. قال: يقول له صاحب الشرط: إن رأى الأمير أن يعفيني فليفعل, فقال: امض ويلك, فخرج فأمر غلمانه أن يتقدموا إلى الحبس بفراش وغيره من آلة الحبس, فلما جاء فوقف بين يدي شريك, فأدى الرسالة. قال: خذ بيده فضعه في الحبس. قال: قد والله يا أبا عبد الله عرفت أنك تفعل بي هذا, فقدمت ما يصلحني إلى الحبس, وبلغ موسى بن عيسى - يعنى الخبر - فوجه الحاجب إليه فقال: هذا من ذاك رسول أي شيء عليه, فلما وقف بين يديه وأدى الرسالة. قال: ألحقه بصاحبه, فحبس, فلما صلى الأمير العصر بعث إلى إسحاق بن الصباح الأشعثي, وجماعة من وجوه الكوفة من أصدقاء شريك, فقال: امضوا إليه, وأبلغوه السلام, وأعلموه أنه قد استخف بي, وإني لست كالعامة، فمضوا وهو جالس في مسجده بعد العصر, فدخلوا فأبلغوه الرسالة, فلما انقضى كلامهم. قال لهم: ما لي لا أراكم جئتم في غيره من الناس كلمتموني من هاهنا من فتيان الحي, فيأخذ كل واحد منكم بيد رجل فيذهب به إلى الحبس لا ينم, والله إلا فيه. قالوا: أجاد أنت؟ قال: حقًا حتى لا تعودوا برسالة ظالم فحبسهم, وركب موسى بن عيسى في الليل إلى باب الحبس, ففتح الباب, وأخرجهم جميعًا, فلما كان الغد, وجلس شريك للقضاء جاء السجان, فأخبره فدعا بالقمطر, فختمها ووجه بها إلى منزله, وقال لغلامه: الحقني بثقلي إلى بغداد, والله ما طلبنا هذا الأمر منهم, ولكن أكرهونا عليه, ولقد ضمنوا لنا الإعزاز فيه إذ تقلدناه لهم, ومضوا نحو قنطرة الكوفة إلى بغداد, وبلغ موسى بن عيسى الخبر, فركب في موكبه, فلحقه, وجعل يناشده الله ويقول: يا أبا عبد الله تثبت انظر إخوانك تحبسهم دع أعواني. قال: نعم لأنهم مشوا لك في أمر لم يجب عليهم المشي فيه, ولست ببارح, أو يردوا جميعًا إلى الحبس, وإلا مضيت إلى أمير المؤمنين فستعفيته مما قلدني, وأمر بردهم جميعًا إلى الحبس, وهو والله واقف في مكانه حتى جاءه السجان فقال: قد رجعوا إلى الحبس. فقال لأعوانه: خذوا بلجامه قودوه بين يدي جميعًا إلى مجلس الحكم, فمروا به بين يديه حتى أدخل المسجد, وجلس مجلس القضاء, ثم قال: الجويرية المتظلمة من هذا, فجاءت, فقال: هذا خصمك قد حضر, وهو جالس معها بين يديه, فقال: أولئك يخرجون من الحبس قبل كل شيء. قال: أما الآن فنعم أخرجوهم. قال: ما تقول فيما تدعيه هذه؟ قال: صدقت. قال: فرد جميع ما أخذ منها, وتبني حائطًا في وقت واحدًا سريعًا كما هدم. قال: أفعل. قال: بقي لك شيء. قال: تقول المرأة: بيت الفارسي, ومتاعه. قال: يقول موسى بن عيسى: ويرد ذلك, بقي لكِ شيء تدَّعينه. قالت: لا, وجزاك الله خيرًا. قال: قومي, وزبرها, ثم وثب من مجلسه, فأخذ بيد موسى بن عيسى, فأجلسه في مجلسه, ثم قال: السلام عليك أيها الأمير تأمر بشيء. قال: أي شيء آمر؟! وضحك.
* عن مصعب بن عبد الله الزبيري قال: تقدم إلى شريك بن عبد الله وكيل لمؤنسة مع خصم له, فجعل يستطيل خصمه إدلالًا بموضعه من مؤنسة, فقال له شريك: كف لا أبا لك. قال: أتقول لي هذا وأنا وكيل مؤنسة؟ فأمر به فصفع عشر صفعات فانصرف ودخل على مؤنسة, وشكى فكتبت مؤنسة إلى المهدي, فعزل شريكًا, وكان قبل هذا قد دخل شريك على المهدي, فقال له: ما ينبغي أن تقلد الحكم بين المسلمين. قال: ولِمَ؟ قال: لخلافك على الجماعة, وقولك بالإمامة. قال: أما قولك بخلافك على الجماعة, فعن الجماعة أخذت ديني, فكيف أخالفهم وهم أصلي في ديني؟! وأما قولك وقولك بالإمامة فما أعرف إلا كتاب الله, وسنة رسوله, وأما قولك مثلك ما يقلد الحكم بين المسلمين, فهذا شيء أنتم فعلتموه, فإن كان خطأ فاستغفروا الله منه, وإن كان صوابًا فأمسكوا عليه. قال: ما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال: ما قال فيه جدك العباس, وعبد الله. قال: وما قالا فيه؟ قال: فأما العباس فمات وعلي عنده أفضل الصحابة, وقد كان يرى كبراء المهاجرين يسألونه عما ينزل من النوازل, وما احتاج هو إلى أحد حتى لحق بالله, وأما عبد الله فإنه كان يضرب بين يديه بسيفين, وكان في حروبه رأسًا متبعًا وقائدًا مطاعًا, فلو كانت إمامته على جور كان أول من يقعد عنها أبوك لعلمه بدين الله وفقهه في أحكام الله. فسكت المهدي, وأطرق, ولم يمض بعد هذا المجلس إلا قليل حتى عزل شريك.
* عن إسماعيل بن عياش قال: ظهر بأفريقية جور من السلطان, فلما قام ولد العباس قدم عبد الرحمن بن زياد بن انعم على أبي جعفر, فشكا إليه العمال ببلده, فقام ببابه أشهرًا, ثم دخل عليه, فقال: ما أقدمك؟ قال: ظهر الجور ببلدنا, فجئت لأعلمك, فإذا الجور يخرج من دارك, فغضب أبو جعفر وهم به, ثم أمر بإخراجه.
* عن عبد الرحمن بن مهدي قال: كنا في جنازة فيها عبيد الله بن الحسن وهو على القضاء فلما وضع السرير جلس وجلس الناس حوله. قال: فسألته عن مسألة فغلط فيها. فقلت: أصلحك الله القول في هذه المسألة كذا وكذا إلا أني لم أرد هذه إنما أردت أن أرفعك إلى ما هو أكبر منها, فأطرق ساعة, ثم رفع رأسه فقال: إذًا أرجع وأنا صاغر, إذًا أرجع وأنا صاغر, لأن أكون ذنَبًا في الحق أحب إلي من أن أكون رأسًا في الباطل.
* كتب المهدي إلى عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة يأمره انظر إلى الأرض التي يخاصم فيها فلان التاجر فلان القائد فاقض بها للقائد. قال: اجمع شهودًا, فجمع جماعة, فكتب عليه حكمًا للتاجر, ثم قال: اذهب الآن فقد طوقتك طوقًا لا يفكه عنك خمسون قينًا. قال: فعزله المهدي.
* عن حنبل بن إسحاق قال: حضرت أبا عبد الله أحمد ويحيى بن معين عند عفان بعد ما دعاه إسحاق بن إبراهيم للمحنة, وكان أول من امتحن من الناس عفان فسأله يحيى بن معين من الغد بعد ما امتحن, وأبو عبد الله حاضر, ونحن معه فقال له يحيى: يا أبا عثمان أخبرنا بما قال لك إسحاق بن إبراهيم, وما رددت عليه. فقال عفان ليحيى: يا أبا زكريا لم أسود وجهك, ولا وجوه أصحابك يعني بذلك, إني لم أجب. فقال له: كيف كان؟ قال: دعاني إسحاق بن إبراهيم, فلما دخلت عليه قرأ علي الكتاب الذي كتب به المأمون من أرض الجزيرة من الرقة فإذا فيه امتحن عفان, وادعه إلى أن يقول القرآن كذا وكذا, فإن قال ذلك, فأقره على أمره, وإن لم يجبك إلى ما كتبت به إليك فاقطع عنه الذي يجرى عليه, وكان المأمون يجري على عفان خمسمائة درهم كل شهر. قال عفان: فلما قرأ الكتاب. قال لي إسحاق بن إبراهيم: ما تقول؟ قال عفان: فقرأت عليه) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ ( [الإخلاص:2] حتى ختمتها, فقلت: مخلوق هذا! فقال لي إسحاق بن إبراهيم: يا شيخ إن أمير المؤمنين يقول: إنك إن لم تجبه إلى الذي يدعوك إليه يقطع عنك ما يجرى عليك, وإن قطع عنك أمير المؤمنين قطعنا عنك نحن أيضًا, فقلت له: يقول الله تعالى:) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ( [الذريات:22] قال: فسكت عني إسحاق, وانصرفت, فسر بذلك أبو عبد الله ويحيى, ومن حضر من أصحابنا.
* عن أبي نعيم قال: حججت سنة حج أبو جعفر, وأنا ابن إحدى وعشرين سنة, ومعه ابن أبى ذئب، ومالك بن أنس، فدعا له: ما تقول في الحسن بن زيد بن فاطمة؟ قال: فقال: إنه ليتحرى العدل. فقال له: ما تقول فيَّ مرتين أو ثلاثًا؟ فقال: ورب هذه البنية إنك لجائر. قال: فأخذ الربيع بلحيته، فقال له أبو جعفر: كف يا ابن الخناء, وأمر له بثلاثمائة دينار.
* عن ابن أبي ذئب قال للمنصور: يا أمير المؤمنين قد هلك الناس، فلو أعنتهم بما في يديك من الفيء؟ قال: ويلك لو لا ما سددت من الثغور, وبعثت من الجيوش لكنت تؤتى في منزلك, وتذبح. فقال ابن أبي ذئب: فقد سد الثغور, وجيش الجيوش, وفتح الفتوح, وأعطى الناس أعطياتهم من هو خير منك. قال: ومن هو, ويلك؟ قال: عمر بن الخطاب, فنكس المنصور رأسه، والسيف بيد المسيب، والعمود بيد مالك بن الهيثم، فلم يعرض له, والتفت إلى محمد بن إبراهيم الإمام, فقال: هذا الشيخ خير أهل الحجاز.
* عن أبي العيناء قال: كنا مع المأمون في طريق الشام, فأمر فنودي بتحليل المتعة, فقال لنا يحيى بن أكثم: بكرا غدًا إليه, فإن رأيتما للقول وجهًا, فقولا, وإلا فاسكتا إلى أن أدخل. قال: فدخلنا إليه, وهو يستاك, ويقول - وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله, وعلى عهد أبي بكر, وأنا أنهى عنهما, ومن أنت يا أحول حتى تنهى عما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -, وأبو بكر, فأومات إلى محمد بن منصور أن أمسك رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلمه نحن, فأمسكنا, وجاء يحيى, فجلس, وجلسنا فقال المأمون ليحيى: مالي أراك متغيرًا. قال: هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام. قال: وما حدث فيه؟ قال: النداء بتحليل الزنا. قال: الزنا! قال: نعم المتعة. قال: ومن أين قلت هذا؟ قال: من كتاب الله. وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, قال الله تعالى:) قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( [المؤمنون:1] إلى قوله) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ( [المؤمنون:5، 7] ، يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا! قال: فهي الزوجة التي عني الله ترث وتورث, ويلحق الولد, ولها شرائطها؟ قال: لا! قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين. وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما محمد بن علي عن علي بن أبي طالب قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها, بعد أن كان أمر بها. فالتفت إلينا المأمون, فقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري؟ فقلنا: نعم يا أمير المؤمنين. رواه جماعة منهم مالك. فقال: أستغفر الله, نادوا بتحريم المتعة فنادوا بها. قال الصولي: فسمعت إسماعيل بن إسحاق يقول: - وقد ذكر يحيى بن أكثم - فعظم أمره وقال: كان له يوم في الإسلام لم يكن لأحد مثله, وذكر هذا اليوم. فقال له رجل: فما كان يقال؟ قال: معاذ الله أن تزول عدالة مثله بتكذب باغ وحاسد, وكانت كتبه في الفقه أجل كتب, فتركها الناس لطولها.