فهرس الكتاب

الصفحة 412 من 593

* عن أبي مالك جرير بن أحمد بن أبي دؤاد قال: قال الواثق يومًا لأبي ضجرًا بكثرة حوائجه: حدثنا يا أحمد, قد اختلت بيوت الأموال بطلبائك اللائذين بك, والمتوسلين إليك, فقال: يا أمير المؤمنين نتائج شكرها متصلة بك, وذخائر أجرها مكتوبة لك, ومالي من ذلك إلا عشق اتصال الألسن بحلو المدح فيك, فقال: يا أبا عبد الله لا منعناك ما يزيد في عشقك, ويقوي من همتك, فتناولنا بما أحببت.

* قال أبو الحسن الزهراني لابن قريعة: ما حدود القفا؟ فأجابه في الوقت: ما داعبك فيه إخوانك، وشرطك فيه حجامك، وأدبك فيه سلطانك، واشتمل عليه جربانك. فقال: ما حد الصفع؟ قال: الرفع والوضع للضر والنفع.

* قال ابن عرابة المؤدب: حكى لي محمد بن عمران الضبي أنه حفَّظ بن المعتز وهو يؤدبه النازعات وقال: إذا سألك أبوك في أي شيء أنت؟ فقل له: أنا في السورة التي تلي عبس، ولا تقل أنا في النازعات. قال فسأله أبوه في أي شيء أنت؟ قال: في السورة التي تلي عبس، فقال له: من علمك هذا. قال: مؤدبي فأمر له بعشرة آلاف درهم.

* عن أحمد بن المعدل قال: كتب ابن أبي داؤد إلى رجل من أهل المدينة يتوهم أنه عبد الله بن موسى بن جعفر بن محمد: إن بايعت أمير المؤمنين في مقالته استوجبت منه حسن المكافأة, وإن امتنعت لم تأمن مكروهه, فكتب إليه: عصمنا الله وإياك من الفتنة, وكأنه إن يفعل فأعظم بها نعمة, وإلا فهي الهلكة, نحن نرى الكلام في القرآن بدعة يشترك فيها السائل والمجيب, فتعاطى السائل ما ليس له, وتكلف المجيب ما ليس عليه, ولا يعلم خالقًا إلا الله, وما سواه مخلوق, والقرآن كلام الله فانته بنفسك, ومخافتك إلى اسمه الذي سماه الله به, وذر الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون, ولا تسم القرآن باسم من عندك فتكون من الضالين, فلما وقف على جوابه أعرض عنه, فلم يذكره.

* عن أبي منصور أحمد بن شعيب بن صالح البخاري قال: كنت عند أبي خليفة فاستجزت منه كتبًا, فقلت له: أجزت لي ولفلان ولفلان, وهم لفلان مال, فقال لي: هم ليس في الكلام المعرب, ثم قال: أنشدني أبو الفضل العباس بن الفرج الرياشي لنفسه:

شفاء العيا حسن السؤال وإنما ... يطيل العيا طول السكوت على الجهل

فكن سائلا عما عناك فإنما ... خلقت أخا عقل لتسأل بالعقل

* عن محمد بن داؤد الأصبهاني قال: كنت جالسًا عند أبي بكر محمد بن داود, فجاءته امرأة فقالت: ما تقول في رجل له زوجة لا هو ممسكها ولا هو مطلقها؟ ومعنى قولها لا ممسكها: أنه لا يقدر على نفقتها فقال أبو بكر بن داود: اختلف في ذلك أهل العلم, فقال قائلون: تؤمر بالصبر والاحتساب, ويبعث على التطلب والاكتساب, وقال قائلون: يؤمر بالإنفاق, وإلا يحمل على الطلاق. قال أبو العباس: فلم تفهم قوله, وأعادت مسألته, وقالت له: رجل له زوجة لا هو ممسكها, ولا هو مطلقها, فقال: يا هذه قد أجبتك عن مسألتك, وأرشدتك إلى طلبتك, ولست بسلطان فأمضي, ولا قاض فأقضي, ولا زوج فأرضي, انصرفي رحمك الله. قال: فانصرفت المرأة, ولم تفهم جوابه.

* كان محمد بن داود وأبو العباس بن سريج يسيران في طريق ضيقة فقال أبو العباس: الطرق الضيقة تورث العقوق, فقال له محمد بن داود: وتوجب الحقوق.

* عن أبي جعفر محمد بن أحمد السمناني قال: حدث أن ابن المعلم شيخ الرافضة ومتكلمها حضر بعض مجالس النظر مع أصحاب له إذا أقبل القاضي أبو بكر الأشعري, فالتفت ابن المعلم إلى أصحابه وقال لهم: قد جاءكم الشيطان, فسمع القاضي كلامهم, وكان بعيدًا من القوم فلما جلس أقبل على ابن المعلم وأصحابه وقال لهم: قال: [أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [[مريم: 83] أي: إن كنت شيطانًا فأنتم كفار, وقد أرسلت عليكم.

* قال محمد بن إسحاق الصاغاني ـ وسأله أبي ـ فقال له إلى أي قبيلة تنسب يا أبا بكر؟ فقال إن جدي كان في الصحراء فاستقبله رجل فقال له أسلم، فأسلم وقطع الزنار.

* عن محمد بن زياد قال: دخل مروان بن أبي حفصة على المهدي وعنده جماعة فأنشده:

صحا بعد جهل واستراخت عواذله

قال فقال لي: ويلك كم هي بيتًا؟ قلت: يا أمير المؤمنين سبعون بيتًا. قال: فإن لك عندي سبعين ألفًا. قال: فقلت في نفسي: بالنسيئة إنا لله وإنا إليه راجعون, ثم قلت: يا أمير المؤمنين اسمع مني أبياتًا حضرت, فما في الأرض أنبل من كفيلي. قال: هات, فاندفعت فأنشدته:

كفا كم بعباس أبي الفضل والدا ... فما من أب إلا أبو الفضل فاضله

كأن أمير المؤمنين محمدا ... أبو جعفر في كل أمر يحاوله

إليك قصرنا النصف من صلواتنا ... مسيرة شهر بعد شهر نواصله

فلا نحن نخشى أن يخيب مسيرنا ... إليك ولكن أهنأ الخير عاجله

قال: فتبسم, وقال: عجلوها له, فحملت إلى من وقته.

* عن حبيب بن الشهيد قال: كنت جالسًا عند إياس بن معاوية, وأتاه رجل فسأله عن مسألة, فطول عليه, فأقبل عليه إياس فقال: إن كنت تريد الفتيا, فعليك بالحسن فإنه معلمي ومعلم أبي, وإن كنت تريد القضاء فعليك بعبد الملك بن يعلى. قال: وكان على قضاء البصرة يومئذ, وإن كنت تريد الصلح فعليك بحميد الطويل, وتدري ما يقول لك حط عنه شيئًا, ويقول لصاحبك زده شيئًا حتى يصلح بينكما, وإن كنت تريد الشغب, فعليك بصالح السدوسي, وتدري ما يقول لك, يقول لك: اجحد ما عليك, وادع ما ليس لك, وادع بينة غيباء.

* عن مالك بن سليمان قال: كان لإبراهيم بن طهمان جراية من بيت المال فاخرة يأخذ في كل وقت, وكان يسخو به. قال: فسئل مسألة يومًا من الأيام في مجلس الخليفة, فقال: لا أدري, فقالوا له: تأخذ في كل شهر كذا وكذا, ولا تحسن مسألة. قال: إنما آخذه على ما أحسن, ولو أخذت على مالا أحسن لفني بيت المال علي, ولا يفنى مالًا أحسن, فأعجب أمير المؤمنين جوابه, وأمر له بجائزة فاخرة, وزاد في جرايته.

* عن الأصمعي قال: قال لي رجل من أهل الشام قدمت المدينة فقصدت منزل إبراهيم بن هرمة: فإذا بنية له صغيرة تلعب بالطين فقلت لها: ما فعل أبوك؟ قالت: وفد إلى بعض الأجواد, فما لنا به علم منذ مدة, فقلت: انحري لنا ناقة, فإنا أضيافك. قالت: والله ما عندنا. قلت: فشاة قالت: والله ما عندنا. قلت: فدجاجة. قالت: والله ما عندنا. قلت: فأعطينا بيضة. قالت: والله ما عندنا. قلت: فباطل ما قال أبوك:

كم ناقة قد وجأت منحرها…بمستهل الشؤبوب أو جمل

قالت: فذلك الفعل من أبي هو الذي أصارنا إلى أن ليس عندنا شيء.

* عن أبي الطيب قال: وعقد الفقهاء لأبي سعد الإسماعيلي مجلسين تولى أحدهما أبو حامد الإسفرائيني, وتولى الآخر أبو محمد الباقي فبعث الباقي إلى القاضي أبي الفرج المعافي بن زكريا بابنه أبي الفضل يسأله حضور المجلس, وكتب على يده هذين البيتين:

إذا أكرم القاضي الجليل وليه ... وصاحبه ألفاه للشكر موضعا

ولي حاجة يأتي بنيي بذكرها ... ويسأله فيها التطول أجمعا

فأجابه أبو الفرج:

دعا الشيخ مطواعا سميعا لأمره ... يواتيه باعا حيث يرسم إصبعا

وها أنا غاد في غد نحو داره ... أبادر ما قد حده لي مسرعا

* عن محمد بن عطية العطوي قال: كان عند يحيى بن أكثم في مجلس له يجتمع الناس فيه فوافى إسحاق بن إبراهيم الموصلي, فأخذ يناظر أهل الكلام حتى انتصف منهم, ثم تكلم في الفقه فأحسن وقاس واحتج, وتكلم في الشعر واللغة ففاق من حضر, فأقبل على يحيى فقال: أعز الله القاضي أفيَّ شيء مما نظرت فيه, وحكيته نقص أو مطعن؟ قال: لا. قال: فما بالى أقوم بسائر هذه العلوم قيام أهلها, وأنسب إلى فن واحد قد اقتصر الناس عليه؟ قال العطوي فالتفت إليَّ يحيى بن أكثم فقال: جوابه عليك قال وكان الغطوى من أهل الجدل فقلت نعم أعز الله القاضى الجواب عليَّ ثم أقبلت على إسحاق فقلت يا أبا محمد أنت كالفراء والأخفش في النحو؟ قال: لا، قلت: أفأنت في اللغة وعلم الشعر كالأصمعى وأبي عبيدة؟ قال: لا، قلت: أفأنت في الأنساب كالكلبى وأبي اليقظان؟ قال: لا، قلت أفأنت في الكلام كأبي الهذيل والنظام؟ قال: لا، قلت أفأنت في الفقه كالقاضي؟ قال: لا، قلت: أفأنت في قول الشعر كأبي العتاهية وأبى النواس؟ قال: لا، قلت: فمن هاهنا نسبت إلى ما نسبت إليه لأنه لا نظير لك فيه ولا شبيه وأنت في غيره دون رؤساء أهله فضحك وقام فانصرف، فقال لي يحيى بن أكثم لقد وفيت الحجة حقها وفيها ظلم قليل لإسحاق وانه لممن يقل في الزمان نظيره.

* عن بشر المريسي قال: قد سئل عن رجل فقال: هو على أحسن حال وأهناها, فضحك الناس من لحنه, فقال قاسم التمار: ما هو إلا صوابًا مثل قول ابن هرمة:

إن سليمى والله يكلأها…ضنت بشيء ما كان يرزأها

قال: فشغل الناس بتفسير القاسم عن لحن بشر المريسي.

* عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: دخل حميد الطوسي على أمير المؤمنين, وعنده بشر المريسي فقال أمير المؤمنين لحميد: أتدري من هذا يا أبا غانم؟ قال: لا. قال: هذا بشر المريسي, فقال حميد: يا أمير المؤمنين, هذا سيد الفقهاء, هذا قد رفع عذاب القبر, ومسألة منكر ونكير, والميزان, والصراط, أنظر هل يقدر أن يرفع الموت, ثم نظر إلى بشر فقال: لو رفعت الموت كنت سيد الفقهاء حقًا.

* عن أبي عبيدة قال: كان بشار ـ بن برد ـ يقول الشعر, وهو صغير, وكان لا يزال قوم يشكونه إلى أبيه فيضربه حتى رق عليه من كثرة ما يضر به, وكانت أمه تخاصمه, فكان أبوه يقول لها: قولي له يكف لسانه عن الناس, فلما طال ذلك عليه قال له ذات ليلة: يا أبتِ لِمَ تضربني كلما شكوني إليك؟ قال: فما أعمل؟ قال: إحتج عليهم بقول ليس على الأعمى حرج, ولا على الأعرج حرج, ولا على المريض حرج, فجاءوه يومًا يشكون بشارًا فقال لهم هذا القول, فقالوا: فقه برد أضر علينا من شعر بشار.

* عن الجاحظ قال: دخلت إلى صديق لي أعوده, وتركت حماري على الباب, ولم يكن معي غلام, ثم خرجت فإذا فوقه صبي, فقلت: لِمَ ركبت حماري بغير إذني؟ قال: خفت أن يذهب فحفظته لك. قلت: لو ذهب كان أعجب إليَّ من بقائه. قال: فإن كان هذا رأيك في الحمار فاعمل على أنه قد ذهب, وهبه لي, واربح شكري, فلم أدر ما أقول!

* عن ابن النديم قال: دخل ثمامة بن أشرس على المأمون, وعنده أبو العتاهية فقال أبو العتاهية: يا أمير المؤمنين, أتأذن في مناظرته في القدر. قال: افعل. قال: فأدخل أبو العتاهية يده في كمه, وحرك أصبعه وقال: من حرك يدي؟ قال ثمامة: من أمه بظراء. قال: يقول أبو العتاهية: علة قاطعة.

* عن الحسن بن رجاء قال: أن الرشيد لما غضب على ثمامة دفعه إلى سلام الأبرش, وأمره أن يضيق عليه, ويدخله بيتًا ويطين عليه, ويترك فيه ثقبًا, ففعل دون ذلك, وكان يدس إليه الطعام, فجلس سلام عشية يقرأ في المصحف, فقرأ ويل يومئذ للمكذَّبين, فقال له ثمامة: إنما هو للمكذِّبين, وجعل يشرحه له, ويقول: المكذَّبون هم الرسل, والمكذِّبون هم الكفار، فقال: قد قيل لي إنك زنديق, ولم أقبل, ثم ضيق عليه أشد الضيق. قال: ثم رضي الرشيد عن ثمامة, وجالسه فقال: أخبروني من أسوأ الناس حالًا فقال كل واحد شيئًا. قال: ثمامة فبلغ القول إليَّ, فقلت: عاقل يجري عليه حكم جاهل. قال: فتبينت الغضب في وجهه فقلت: يا أمير المؤمنين ما أحسبني وقعت بحيث أردت. قال: لا والله فاشرح, فحدثته بحديث سلام, فجعل يضحك حتى استلقى, وقال: صدقت, والله لقد كنت أسوأ الناس حالًا.

* عن غسان الليثي قال: كان أبو العباس قد خص عبد الله بن حسن بن حسن حتى كان يتفضل بين يديه في قميص بلا سراويل فقالوا له يومًا: ما رأى أمير المؤمنين على هذه الحال غيرك, ولا أعدك إلا ولدًا, ثم سأله عن ابنيه, فقال له: ما خلفهما عني, فلم يفدا مع من وفد علي من أهلهما, ثم أعاد عليه المسألة عنهما مرة أخرى, فشكى ذلك عبد الله بن الحسن إلى أخيه الحسن بن الحسن, فقال له: إن أعاد المسألة عليك عنهما فقل له: علمهما عند عمهما, فقال له عبد الله: وهل أنت محتمل ذلك لي؟ قال: نعم, فأعاد أبو العباس على عبد الله المسألة فقال: يا أمير المؤمنين, علمهما عند عمهما, فبعث أبو العباس إلى الحسن, فسأله عنهما, فقال: يا أمير المؤمنين أكلمك على هيبة الخلافة, أو كما يكلم الرجل ابن عمه, فقال له أبو العباس: بل كما يكلم الرجل ابن عمه, فقال له الحسن: أنشدك الله يا أمير المؤمنين إن الله قدر لمحمد وإبراهيم أن يليا من هذا الأمر شيئًا, فجهدت وجهد أهل الأرض معك أن يردوا ما قدر لهما أتردونه؟ قال: لا. قال: فأنشدك الله إن كان الله لم يقدر لهما أن يليا من هذا الأمر شيئًا فاجتمعا واجتمع أهل الأرض جميعًا معهما على أن ينالا ما لم يقدر لهما أينالانه؟ قال: لا. قال: فما تنغيصك على هذا الشيخ النعمة التي أنعمت بها عليه. قال أبو العباس: لا أذكرهما بعد اليوم فما ذكرهما حتى فرق الموت بينهما.

* عن الحسن بن الصباح قال: أدخلت على المأمون ثلاث مرات رفع إليه أول مرة أنه يأمر بالمعروف, وكان نهى أن يأمر أحد بمعروف فأخذت فأدخلت عليه, فقال لي: أنت الحسن البزار؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: وتأمر بالمعروف؟ قلت: لا, ولكني أنهى عن المنكر. قال: فرفعني على ظهر رجل, وضربني خمس درر, وخلى سبيلي, وأدخلت عليه المرة الثانية رفع إليه أني أشتم علي بن أبي طالب. قال: فلما قمت بين يديه قال لي: أنت الحسن؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: وتشتم علي بن أبي طالب, فقلت: صلى الله على مولاي وسيدي علي, يا أمير المؤمنين أنا لا أشتم يزيد ابن معاوية لأنه بن عمك فكيف أشتم مولاي وسيدي؟ قال: خلوا سبيله, وذهبت مرة إلى أرض الروم إلى بدندون في المحنة, فدفعت إلى أشناس, فلما مات خلي سبيلي.

* عن أبي بكر بن سعدان قال: قال لي الحسين بن منصور تؤمن بي حتى أبعث إليك بعصفورة تطرح من ذرقها وزن حبة على كذا منا من نحاس فيصير ذهبًا. قال: فقلت له: بل أنت تؤمن بي حتى أبعث إليك بفيل يستلقي فتصير قوائمه في السماء, فإذا أردت أن تخفيه أخفيته في إحدى عينيك. قال: فبهت وسكت.

* عن إسحاق بن محمد بن أبان قال: كنت قاعدًا مع دعبل بن علي بالبصرة, وعلى رأسه غلام يقال له نفنف, فمر به أعرابي يرفل في ثياب خز, فقال لغلامه: ادع هذا الأعرابي إلينا فأومأ الغلام إليه فجاء فقال له دعبل: ممن الرجل؟ قال: رجل من بني كلاب. قال: من أي بني كلاب؟ قال: من ولد أبي بكر. قال: أتعرف الذي يقول:

ونبئت كلبا من كلاب يسبني ... ومحض كلاب يقطع الصلوات

فإن أنا لم أعلم كلابا بأنها ... كلاب وأني باسل النقمات

فكان إذا من قيس عيلان والدي ... وكانت إذا أمي من الحبطات

-يعني بني تميم وهم أعدى الناس لليمن-.

قال أبو يعقوب: وهذا الشعر لدعبل في عمرو بن عاصم الكلابي. فقال له الأعرابي: ممن أنت؟ فكره أن يقول من خزاعة فيهجوه. فقال: أنا أنتمي إلى القوم الذين يقول فيهم الشاعر:

أناس علي الخير منهم وجعفر ... وحمزة والسجاد ذو الثفنات

إذا افتخروا يوما أتوا بمحمد ... وجبريل والقرآن والسورات

وهذا الشعر أيضا له، قال فوثب الأعرابي وهو يقول: محمد وجبريل والقرآن والسورات! ما إلى هؤلاء مرتقى، ما إلى هؤلاء مرتقى.

* عن محمد بن إسحاق الصيرفي الشاهد قال: سألت الزبير بن بكار وقد جرى حديث منذ كم زوجتك معك؟ قال: لا تسألني, ليس يرد القيامة أكثر كباشًا منها, ضحيت عنها بسبعين كبشًا.

* عن إسحاق الأزرق قال: كنا عند شريك بن عبد الله, فجاء ابن عمه أبو داود النخعي, فجرى شيء من ذكر علي بن أبي طالب, فقال أبو داود: نعم الرجل علي, فقام إليه شريك فقال: ألمثل علي تقول هذا؟ قال أبو داود: يا جاهل إن الله أثنى على نفسه فقال: فقدرنا فنعم القادرون, وأثنى على نبيه فقال: نعم العبد إنه أواب, فقال شريك: وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا.

* عن يحيى بن أكثم قال: قال لي المأمون: من تركت بالبصرة؟ فوصفت له مشايخ منهم سليمان بن حرب, وقلت: هو ثقة حافظ للحديث عاقل في نهاية الستر والصيانة, فأمرني بحمله إليه, فكتبت إليه في ذلك فقدم فاتفق أني أدخلته إليه, وفي المجلس ابن أبي داؤد, وثمامة, وأشباه لهما, فكرهت أن يدخل مثله بحضرتهم, فلما دخل سلم فأجابه المأمون, ورفع مجلسه, ودعا له سليمان بالعز والتوفيق, فقال ابن أبي داؤد: يا أمير المؤمنين نسأل الشيخ عن مسألة, فنظر المأمون إليه نظر تخيير له, فقال سليمان: يا أمير المؤمنين حدثنا حماد بن زيد قال: قال رجل لابن شبرمة: أسألك؟ فقال: إن كانت مسألتك لا تضحك الجليس, ولا تزري بالمسئول فسل, وحدثنا وهيب بن خالد قال: قال إياس بن معاوية: من المسائل ما لا ينبغي للسائل أن يسأل عنها, ولا للمجيب أن يجيب فيها, فإن كانت مسألته من غير هذا فليسأل, وإن كانت من هذا فليمسك قال: فهابوه, فما نطق أحد منهم حتى قام, وولاه قضاء مكة فخرج إليها.

* عن أبي علي النقار قال: دخل الكوفة أبو موسى, وسمعت منه كتاب الإدغام عن ثعلب عن سلمة عن الفراء. قال أبو علي: فقلت له: أراك تلخص الجواب تلخيصًا ليس في الكتب. قال: هذا ثمرة صحبة ثعلب أربعين سنة.

* عن أبي زيد النحوي قال: وقفت بباب عثمان بن أبي العاص الثقفي على قصاب, وقد أخرج بطنين سمينين موفورين فعلقهما فقلت: بكم البطنان؟ فقال: بمصفعان يا مضرطان. قال: فغطيت رأسي وفررت لئلا يسمع الناس فيضحكون مني.

* عن أبي جعفر المنصور قال لسفيان بن حسين وكان حسن الصوت بالقرآن: اقرأ. قال: القرآن لا يتلذذ به. قال: عالم أنت؟ فسكت, فقال له الربيع: أجب أمير المؤمنين. قال: سألني عن مسألة لا جواب لها, إن قلت لست عالمًا, وقد قرأت كتاب الله كنت كاذبًا, وإن قلت أنا عالم كنت بقولي جاهلا ً.

* عن محمد بن عيسى قال: أراد شعيب بن حرب أن يتزوج بامراة فقال لها: إني سيء الخلق. قالت: أسوأ منك خلقًا من أحوجك أن تكون سيء الخلق. فقال: أنت إذن امرأتي.

* عن أحمد بن سعيد بن سلم الباهلي قال: حدثني من حضر مجلس السفاح, وهو أحشد ما كان ببني هاشم والشيعة ووجوه الناس, فدخل عبد الله بن حسن, ومعه مصحف فقال: يا أمير المؤمنين أعطنا حقنا الذي جعله الله لنا في هذا المصحف. قال: فأشفق الناس من أن يعجل السفاح بشيء إليه فلا يريدون ذلك في شيخ بني هاشم في وقته أو يعيى بجوابه فيكون ذلك نقصًا له وعارًا عليه. قال: فأقبل عليه غير مغضب, ولا مزعج, فقال: إن جدك عليًا, وكان خيرًا مني, وأعدل ولي هذا الأمر, فأعطى جديك الحسن والحسين, وكانا خيرًا منك شيئًا, وكان الواجب أن أعطيك مثله فإن كنت فعلت فقد أنصفتك, وإن كنت زدتك فما هذا جزائي منك. قال: فما رد عبد الله جوابًا, وانصرف, والناس يعجبون من جوابه له.

* عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: دخل عمران بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع العدوي على أبي العباس في أول وفد وفد عليه من المدينة فأمروا بتقبيل يده, فتبادروها, وعمران واقف, ثم حياه بالخلافة وهنأه وذكر حسبه ونسبه, ثم قال: يا أمير المؤمنين, إنها والله لو كانت تزيدك رفعة, وتزيدني من الوسيلة إليك ما سبقني بها أحد, وإنك لغني عما لا أجر لنا فيه, وعلينا فيه ضعة. قال: ثم جلس, فوالله ما نقص عن حظ أصحابه.

* عن أبي علي إسماعيل بن إبراهيم بن بشر القرشي قال: أن المهدي كتب إلى عبيد الله بن الحسن وهو قاضي البصرة كتابًا فقرأه عبيدالله فرده, فحمل عبيدالله إلى المهدي, فعاتبه فكان فيما عاتبه به أن قال له: رددت كتابي, فقال عبيدالله: يا أمير المؤمنين إني لم أرد كتابك, ولكنه كان ملحونًا, وكتاب أمير المؤمنين لا يكون ملحونًا, فصدق المهدي مقالته, وأجازه ورده إلى عمله.

* عن محمد بن زكريا قال: حضرت مجلسًا فيه عبيد الله بن محمد بن عائشة التيمي, وفيه جعفر بن القاسم بن جعفر بن سليمان الهاشمي فقال لابن عائشة: هاهنا آية نزلت في بني هاشم خصوصًا. قال: وما هي؟ قال قوله:) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ( [الزخرف: من الآية44] , فقال ابن عائشة: قومه قريش, وهي لنا معكم قال: بل هي لنا خصوصًا. قال: فخذ معها,) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ( [الأنعام: من الآية66] قال: فسكت جعفر, فلم يحر جوابًا.

* عن أبي جعفر التستري قال: حضرنا أبا زرعة يعني الرازي بماشهران, وكان في السَّوق, وعنده أبو حاتم محمد بن مسلم, والمنذر بن شاذان, وجماعة من العلماء, فذكروا حديث التلقين, وقوله: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله. قال: فاستحيوا من أبي زرعة, وهابوه أن يلقنوه, فقالوا: تعالوا نذكر الحديث, فقال محمد بن مسلم: حدثنا الضحاك بن مخلد عن عبد الحميد بن جعفر عن صالح وجعل يقول: ولم يجاوز, وقال أبو حاتم: حدثنا بندار حدثنا أبو عاصم عن عبد الحميد بن جعفر عن صالح ولم يجاوز, والباقون سكتوا, فقال أبو زرعة وهو في السَّوق: حدثنا بندار حدثنا أبو عاصم حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي عريب عن كثير بن مرة الحضرمي عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» وتوفي رحمة الله عليه.

* عن ابن داب قال: أنه كان لا يأكل مع هارون, أو موسى أمير المؤمنين. قال: فقيل لابن داب يا أبا الوليد ما لك لا تتغدى مع أمير المؤمنين إذا أتى بالطعام؟ فقال: ما كنت لأتغدى عند رجل لا أغسل يدي عنده. قال: فكان موسى قد أمر به من بينهم أن يغسل يده إذا تغدى. قال: فقيل لابن داب: يا أبا الوليد ربما حملت الكتاب, وأنت رجل تجد في نفسك. قال: إن حمل الدفاتر من المروءة.

* عن سلمة قال: كان عند المهدي مؤدب يؤدب الرشيد, فدعاه يومًا المهدي, وهو يستاك, فقال: كيف تأمر من السواك؟ فقال: أستك يا أمير المؤمنين, فقال المهدي: إنا لله وإنا إليه راجعون, ثم قال: التمسوا لنا من هو أفهم من ذا, فقالوا رجل يقال له علي بن حمزة الكسائي من أهل الكوفة قدم من البادية قريبًا, فكتب بإزعاجه من الكوفة فساعة دخل عليه قال: يا علي بن حمزة. قال: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: كيف تأمر من السواك؟ قال: سك يا أمير المؤمنين. قال: أحسنت, وأصبت, وأمر له بعشرة آلاف درهم.

* عن ابن عائشة قال: وجه عبد الملك بن مروان الشعبي إلى ملك الروم, فلما انصرف من عنده قال: يا شعبي أتدري ما كتب إليَّ به ملك الروم. قال: وما كتب به إلى أمير المؤمنين؟ قال: كتب العجب لأهل ديانتك كيف لم يستخلفوا رسولك هذا؟ قلت: يا أمير المؤمنين لأنه رآني, ولم ير أمير المؤمنين.

* عن عبد الرحمن قال: وجه عبد الملك بن مروان عامرًا الشعبي إلى ملك الروم في بعض الأمر, فاستكثر الشعبي فقال له: من أهل بيت الملك أنت؟ قال: لا. قال: فلما أراد الرجوع إلى عبد الملك حمله رقعة لطيفة, وقال: إذا رجعت إلى صاحبك فأبلغته جميع ما يحتاج إلى معرفته من ناحيتنا, فادفع إليه هذه الرقعة, فلما صار الشعبي إلى عبد الملك ذكر له ما احتاج إلى ذكره, ونهض من عنده, فلما خرج ذكر الرقعة فرجع فقال: يا أمير المؤمنين إنه حملني إليك رقعة أنسيتها حتى خرجت, وكانت في آخر ما حملني فدفعها إليه, ونهض فقرأها عبد الملك, فأمر برده, فقال: أعلمت ما في هذه الرقعة؟ قال: لا. قال: فيها عجبت من العرب كيف ملكت غير هذا أفتدري لم كتب إليَّ بهذا؟ فقال: لا. فقال: حسدني بك, فأراد أن يغريني بقتلك, فقال الشعبي: لو كان رآك يا أمير المؤمنين ما استكثرني, فبلغ ذلك ملك الروم, فذكر عبد الملك فقال: لله أبوه, والله ما أردت إلا ذاك.

* عن محمد بن إبراهيم السياري قال: لما قدم العتابي مدينة السلام على المأمون أذن له, فدخل عليه, وعنده إسحاق الموصلي, وكان العتابي شيخًا جليلًا نبيلًا, فسلم فرد, وأدناه وقربه حتى قرب منه فقبل يده, ثم أمره بالجلوس فجلس, وأقبل عليه فسأله عن حاله, وهو يجيبه بلسان طلق, فاستظرف المأمون ذلك منه, وأقبل عليه بالمداعبة والمزح فظن الشيخ أنه استخف به, فقال: يا أمير المؤمنين إلايناس قبل الإبساس, فاشتبه على المأمون قوله, فنظر إلى إسحاق مستفهمًا, فأوما بعينه وغمزه على معناه حتى فهمه, ثم قال: نعم, يا غلام ألف دينار فأتي بذلك, فوضعه بين يديي العتابي, وأخذوا الحديث, ثم غمز المأمون إسحاق بن إبراهيم عليه, فجعل العتابي لا يأخذ في شيء إلا عارضه فيه إسحاق, فبقي العتابي متعجبًا, ثم قال: يا أمير المؤمنين أتأذن لي في مسألة هذا الشيخ عن اسمه. قال: نعم سله, فقال لإسحاق: يا شيخ من أنت؟ وما اسمك؟ قال: أنا من الناس, واسمي كل بصل, فتبسم العتابي, ثم قال: أما النسب فمعروف, وأما الاسم فمنكر, فقال له إسحاق: ما أقل إنصافك أتنكر أن يكون اسمي كل بصل, واسمك كل ثوم, وما كلثوم من الأسماء أوليس البصل أطيب من الثوم. قال له التعابي: لله درك ما أحجك أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أصله ما وصلتني به, فقال له المأمون: بل ذلك موفر عليك, ونأمر له بمثله, فقال له إسحاق: أما إذا أقررت بهذه فتوهمني تجدني, فقال له: ما أظنك إلا إسحاق الموصلي الذي يتناهى إلينا خبره. قال: أنا حيث ظننت, فأقبل عليه بالتحية والسلام, فقال المأمون: وقد طال الحديث بينهما أما إذا اتفقتما على المودة, فانصرفا فانصرف العتابي إلى منزل إسحاق, فأقام عنده.

* عن إبراهيم بن يحيى بن محمد بن هاني الشجري قال: لما أراد محمد بن إسحاق الخروج إلى العراق قال له رجل من أصحابه: إني أحسب السفر غدًا خسيسة يا أبا عبد الله, وكان ابن إسحاق قد رق, فقال ابن إسحاق: والله ما أخلاقنا بخسيسة, ولربما قصر الدهر باع الكريم.

* دخل أبو العباس السراج على أبى عمرو الخفاف فقال له يا أبا العباس من أين جمعت هذا المال؟ فقال: يا أبا عمرو بغيبة عن نيسابور مائة وعشرين سنة. قال: وكيف ذاك؟ قال غاب أخي إبراهيم أربعين سنة، أكلنا الجشب، ولبسنا الخشن، حتى جمعنا هذا المال, ولكن أنت يا أبا عمرو من أين جمعت هذا المال؟

أتذكر إذ لحافك جلد شاة…وإذ نعلاك من جلد البعير

فسبحان الذي أعطاك ملكًا…وعلمك الجلوس على السرير

* عن أبي جعفر بن البراء قال: اتصل بعمي أبي الحسن عن القاضي إسماعيل بن إسحاق شيء، فعزم إسماعيل على الركوب إليه، فبادره عمي أبو الحسن بالركوب، فلما دخل أنشأ يقول:

صفحت برغمي عنك صفح ضرورة…إليك وفي قلبي نُدُوبٌ من العَتْب

فأجابه إسماعيل:

ولا زال بي شوق إليك مبّرح…يذلل مني كل ممتنع صَعْب

* عن ابن عرابة المؤدب قال: حكى لي محمد بن عمران الضبي أنه حفظ ابن المعتز, وهو يؤدبه النازعات وقال: إذا سألك أبوك في أي شيء أنت؟ فقل له: أنا في السورة التي تلي عبس، ولا تقل أنا في النازعات. قال: فسأله أبوه في أي شيء أنت؟ قال: في السورة التي تلي عبس, فقال له: من علمك هذا؟ قال: مؤدبي, فأمر له بعشرة آلاف درهم.

* قال أبو العيناء: قال لي المتوكل: قد أردتك لمجالستي, فقلت: لا أطيق ذاك، وما أقول هذا جهلًا بما لي في هذا المجلس من الشرف، ولكني رجل محجوب، والمحجوب تختلف إشارته ويخفي عليه ايماؤه، ويجوز عليّ أن أتكلم بكلام غضبان ووجهك راض، وبكلام راض ووجهك غضبان، ومتى لم أميز هذين هلكت, فقال: صدقت ولكن تلزمنا, فقلت: لزوم الفرض الواجب, فوصلني بعشرة آلاف درهم.

* عن الحسن قال: لما كان من بعض همج الناس ما كان جعل رجل يسأل عن أفاضل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجعل لا يسأل أحدًا إلا دله على سعد بن مالك. قال: فقيل له: إن سعدًا رجل إذا أنت رفقت به كنت قمنا أن تصيب منه حاجتك، وإن أنت خرقت به كنت قمنا أن لا تصيب منه شيئًا, فجلس أيامًا لا يسأله عن شيء حتى استأنس به، وعرف مجلسه، ثم قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ( [البقرة: من الآية159] إلى آخر الآية. قال: فقال سعد: هات ما قلت، لا جرم والذي نفس سعد بيده لا تسألني عن شيء أعلمه إلا أنبأتك به. قال: أخبرني عن عثمان. قال: كنا إذ نحن جميع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أحسننا وضوءًا، وأطولنا صلاة، وأعظمنا نفقة في سبيل الله، فسألاه عن شيء من أمر الناس فقال: أما أنا فلا أحدثك بشيء سمعته من ورادنا، لا أحدثك إلا بما سمعت أذناي، ووعاه قلبي، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن استطعت أن تكون أنت المقتول ولا تقتل أحدًا من أهل الصلاة فافعل» قالها ثلاثًا.

* عن عبد الله بن مصعب قال: دخل مروان بن أبي حفصة على أمير المؤمنين الهادي فأنشده مديحًا له حتى إذا بلغ قوله:

تشابه يومًا بأسه ونواله…فما أحد يدري لأيهما الفضل

فقال له الهادي: أيما أحب إليك ثلاثون ألف معجلة, أو مائة ألف تدور في الدواوين؟ قال: يا أمير المؤمنين أنت تحسن ما هو أحسن من هذا, ولكنك أنسيته أفتأذن لي أن أذكرك؟ قال: نعم. قال: تعجل الثلاثون الألف, وتدور المائة الألف. قال: بل يعجلان لك جميعًا, فحمل ذلك إليه.

* عن عبد العزيز الأويسي قال: أن مالك بلغه أن مقاتل جاءه إنسان فقال له: أن إنسانًا يسألني ما لون كلب أصحاب الكهف؟ فلم أدري ما أقول له, فقال له مقاتل: ألا قلت: هو أبقع, فلو قلته لم تجد أحدًا يرد عليك قولك.

* عن محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة قال: قد كان المهدي أشخصه وحبانًا من الكوفة, فلما دخلا عليه سلمًا, فقال: أيكما مندل؟ فقال مندل وكان أصغر سنًا: هذا حبان يا أمير المؤمنين.

* عن أبي يوسف قال: دعا المنصور أبا حنيفة فقال الربيع حاجب المنصور وكان يعادي أبا حنيفة: يا أمير المؤمنين هذا أبو حنيفة يخالف جدك كان عبد الله بن عباس يقول: إذا حلف على اليمين, ثم استثنى بعد ذلك بيوم أو يومين جاز الاستثناء, وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستثناء إلا متصلًا باليمين, فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين إن الربيع يزعم أنه ليس لك في رقاب جندك بيعة. قال: وكيف؟ قال: يحلفون لك, ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون, فتبطل أيمانهم. قال: فضحك المنصور وقال: يا ربيع لا تعرض لأبي حنيفة, فلما خرج أبو حنيفة. قال له الربيع: أردت أن تشيط بدمي؟ قال: لا, ولكنك أردت أن تشيط بدمي, فخلصتك وخلصت نفسي.

* عن عبد الواحد بن غياث قال: كان أبو العباس الطوسي سيء الرأي في أبي حنيفة, وكان أبو حنيفة يعرف ذلك, فدخل أبو حنيفة على أبي جعفر أمير المؤمنين, وكثر الناس فقال الطوسي: اليوم أقتل أبا حنيفة فأقبل عليه, فقال: يا أبا حنيفة إن أمير المؤمنين يدعو الرجل منا فيأمره بضرب عنق الرجل لا يدري ما هو أيسعه أن يضرب عنقه؟ فقال: يا أبا العباس, أمير المؤمنين يأمر بالحق أو بالباطل؟ قال: بالحق. قال: أنفذ الحق حيث كان ولا تسل عنه, ثم قال أبو حنيفة لمن قرب منه: إن هذا أراد أن يوثقني فربطته.

* عن أبي العباس أحمد بن يعقوب قال: كان يحيى بن أكثم يحسد حسدًا شديدًا, وكان مفتنًا, فكان إذا نظر إلى رجل يحفظ الفقه سأله عن الحديث, فإذا رآه يحفظ الحديث سأله عن النحو, فإذا رآه يعلم النحو سأله عن الكلام ليقطعه ويخجله, فدخل إليه رجل من أهل خراسان ذكي حافظ, فناظره فرآه متقنًا, فقال له: نظرت في الحديث؟ قال: نعم. قال: فما تحفظ من الأصول؟ قال: أحفظ شريك عن أبي إسحاق عن الحارث أن عليًا رجم لوطيًا, فأمسك فلم يكلمه بشيء.

* عن أبي جعفر بن أبي شيبة قال: بعث هارون الرشيد إلى الكوفة إلى أبي بكر بن عياش فأحضره, وخرج معه وكيع, فلما قدم استأذن على الرشيد, فأذن له فدخل. قال: ووكيع يقوده ـ وكان قد ضعف بصره ـ فلما رآه الرشيد قال له: يا أبا بكر, ادن فلم يزل يدنيه, فلما قرب منه. قال وكيع: تركته ووقفت حيث أسمع كلامه, فقال له الرشيد: يا أبا بكر قد أدركت أيام بني أمية, وأدركت أيامنا, فأينا كان أخير؟ قال وكيع: فقلت: اللهم ثبت الشيخ, فقال: يا أمير المؤمنين, أولئك كانوا أنفع الناس, وأنتم أقوم بالصلاة, فصرفه الرشيد, وأجازه بستة آلاف, وأجاز وكيع بثلاثة آلاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت