* عن أبي خليفة الفضل بن حباب قال: كان في جوارنا رجل حداد, فاحتاج في أمر له أن يتظلم أيام الواثق, فشخص إلى سر من رأى, ثم عاد فحدثنا أنه رفع قصته إلى الواثق فأمر برد أمره إلى ابن أبي داؤد, وأمر جماعة المتظلمين. قال: فحضرت فنظر في أمور الناس, وتشوفت لينظر في أمري, ورقعتي بين يديه فأومأ إليَّ بالإنتظار, فانتظرت حتى لم يبق أحد فدعاني, فقال: أتعرفني؟ قلت: ولا أذكر القاضي أعزه الله. فقال: ولكني أعرفك, مضيت يومًا في الكلأ, فانقطعت نعلي, وأعطيتني شسعًا لها. فقلت لك: إني أحبوك بثواب ذلك, فتكرهت قولي, وقلت: وما مقدار ما فعلت امض في حفظ الله؟ ثم قال لي: والله لأصلحن زمانك كما أصحلت نعلي, ثم وقع لي في ظلامتي, ووهب لي خمسمائة دينار, وقال: زرني في كل وقت. قال: فرأيناه متسع الحال بعد أن رأيناه مضيقًا.
* عن إبراهيم الخواص قال: كان لي وقتا فترة, فكنت أخرج كل يوم إلى شط نهر كبير كان حواليه الخوص, فكنت أقطع شيئًا من ذلك وأسفه قفافًا فأطرحه في ذلك النهر, وأتسلى بذلك, وكأني كنت مطالبًا به, فجرى وقتي على ذلك أيامًا كثيرة, فتفكرت يومًا, وقلت: أمضي خلف ما أطرحه في الماء من القفاف لأنظر أين يذهب, فكنت أمضي على شط النهر ساعات, ولم أعمل ذلك اليوم حتى أتيت في الشط موضعًا, وإذا عجوز قاعدة على شط النهر, وهي تبكي فقلت لها: مالك تبكين؟ فقالت: اعلم أن لي خمسة من الأيتام مات أبوهم, فأصابني الفقر, والشدة, فأتيت يومًا هذا الموضع, فجاء على رأس الماء قفاف من الخوص, فأخذتها وبعتها, وأنفقت عليهم, فأتيت اليوم الثاني, والثالث, والقفاف تجيء على رأس الماء, فكنت آخذها, وأبيعها حتى اليوم, فاليوم جئت في الوقت, وأنا منتظره, وما جاءت. قال إبراهيم الخواص: فرفعت يدي إلى السماء وقلت: إلهي لو علمت أن لها خمسة من العيال لزدت في العمل, فقلت للعجوز: لا تغتمي فإني الذي كنت أعمل ذلك فمضيت معها, ورأيت موضعها, فكانت فقيرة كما قالت, فأقمت بأمرها, وأمر عيالها سنين.
* عن مهدي بن أبي مهدي قال كان في خلق - مروان بن معاوية - الفزاري شراسة، وكان له حفاظ، وكان معيلًا شديد الحاجة، وكان الناس يبرونه، فإذا بره الإنسان كان ما دام ذلك البر عنده في منزله يعرف فيه البر والانبساط إلى الرجل، قال فنظرت فلم أجد شيئًا أبقى الرجل من الخل ولا ارخص بمكة منه، قال: فكنت اشتري الجرة من خل فأهدى له فأرى موقع ذلك منه، فإذا فني أرى منه، فأسأل جاريته أفنى خلكم؟ فتقول: نعم، فاشترى جرة فأهديها إليه فيعود إلى ما كان عليه.
* عن عون بن محمد الكندي قال: لعهدي بالكرخ ببغداد, وأن رجل لو قال ابن أبي داؤد مسلم لقتل في مكانه, ثم وقع الحريق في الكرخ, وهو الذي ما كان مثله قط كان الرجل يقوم في صينية شارع الكرخ, فيرى السفن في دجلة, فكلم ابن أبي داؤد المعتصم في الناس, وقال: يا أمير المؤمنين رعيتك في بلد آبائك, ودار ملكهم نزل بهم هذا الأمر, فاعطف عليهم بشيء يفرق فيهم يمسك أرماقهم, ويبنون به ما انهدم عليهم, ويصلحون به أحوالهم فلم يزل ينازله حتى أطلق لهم خمسة آلاف ألف درهم, فقال: يا أمير المؤمنين إن فرقها عليهم غيري خفت أن لا يقسم بالسويه, فائذن لي في تولي أمرها ليكون الأجر أوفر, والثناء أكثر. قال: ذلك إليك. فقسمها على مقادير الناس, وما ذهب منهم بنهاية ما يقدر عليه من الاحتياط, واحتاج إلى زايدة, فازدادها من المعتصم, وغرم من ماله في ذلك غرمًا كثيرًا, فكانت هذه من فضائله التي لم يكن لأحد مثلها. قال عون: فلعهدي بالكرخ بعد ذلك, وإن إنسانًا لو قال: زر ابن أبي داؤد وسخ لقتل.
* عن أبي عبد الله بن أبي عوف قال: كان سبب اختصاصي بعبيد الله بن سليمان أني اجتزت يومًا في الجامع بالمدينة, فوجدته وهو ملازم بثلاثمائة دينار في يد غريم له, وهو عقب النكبة, وكنت أعرفه محلة عن مودة بيننا, فقلت له: لأي شيء أنت أعز الله هاهنا جالس, وقد مضت الصلاة؟ فقال: ملازم في يد هذا الرجل بثلاثمائة دينار له عليَّ, فسألت الغريم انظاره, فقال: لا أفعل. فقلت: فالمال لك عليَّ تصبر إليَّ بعد أسبوع حتى أعطيك إياه. فقال: تعطيني خطك بذلك فاستدعيت دواة ورقة, وكتبت له ضمانًا بذلك إلى شهر فرضي, وانصرف, وقام عبيد الله, وأخذ يشكرني, فقلت: تتم أيدك الله سروري أن تصير معي إلى منزلي فحملته, وأركبته حماري, ومشيت خلفه إلى أن دخل داري, فأكلنا ما كان أصلح لي في يوم الجمعة كما تفعل التجار, ونام فلما انتبه أحضرته كيسًا, وقلت: لعلك على إضاقة, فأسألك بالله إلا أخذت منه ما شئت. قال: فأخذ منه دنانير, وقام فخرج, فأقبلت امرأتي تلومني, وتوبخني, وقالت: ضمنت عنه ما لا تفي به حالك, ولم تقنع إلا بأن أعطيته شيئًا آخر. فقلت: يا هذه فعلت جميلًا, وأسديت يدًا جليلة إلى رجل حر كريم جليل من بيت واصل فإن نفعني الله بذلك, فله قصدت وإن تكن الأخرى لم يضع عند الله, ومضى على الحديث مدة, وحل الدين, وجاء الغريم يطالبني, فأشرفت على بيع عقارًا لي, ودفع ثمنه إليه ولم استحسن مطالبة عبيد الله, ودفعت الرجل بوعد وعدته إلى أيام, فلما كان بعد يومين من هذا الحديث جاءتني رقعة عبيد الله يستدعيني فجئته, فقال: قد وردت عليَّ إليه من ضيعة لي أفلتت من البيع النكبة, ومقدار ثمنها مقدار ما ضمنته عني, فتأخذها, وتبيعها, وتصحح ذلك للغريم, فقلت: أفعل فحمل الغلة إليَّ فبعتها, وحملت الثمن بأسره إليه وقلت: أنت مضيق, وأنا أدفع للغريم, وأعطيه البعض من عندي, فاتسع أنت بهذا, فجهد إن أخذ منه شيئًا, فحلفت أن لا أفعل, ووفرت الثمن عليه, وجاء الغريم فألح فأعطيته من عندي البعض, ودفعت به مديدة, ولم يمض على ذلك إلا شيئًا يسير حتى ولى عبيد الله الوزارة, فأحضرني من يومه, وقام إليَّ في مجلسه, وجعلني في السماء, فكسبت به من الأموال هذه النعمة التي أنا فيها.
* عن فائقة بنت عبد الله قالت: أنا يومًا عند المهدي أمير المؤمنين, وكان قد خرج متنزهًا إلى الأنبار إذ دخل عليه الربيع, ومعه قطعة من جراب فيه كتابة برماد, وخاتم من طين قد عجن بالرماد, وهو مطبوع بخاتم الخلافة, فقال: يا أمير المؤمنين, ما رأيت أعجب من هذه الرقعة جاءني بها رجل أعرابي, وهو ينادي: هذا كتاب أمير المؤمنين المهدي دلوني على هذا الرجل الذي يسمى الربيع, فقد أمرني أن أدفعها إليه, وهذه الرقعة فأخذها المهدي, وضحك وقال: صدق, هذا خطي, وهذا خاتمي أفلا أخبركم بالقصة كيف كانت؟ قلنا: أمير المؤمنين أعلى عينا في ذلك. قال: خرجت أمس إلى الصيد في غب سماء, فلما أصحت هاج علينا ضباب شديد, وفقدت أصحابي حتى ما رأيت منهم أحدًا, وأصابني من البرد, والجوع, والعطش ما الله به أعلم, وتحيرت عند ذلك, فذكرت دعاء سمعته من أبي يحكيه عن أبيه عن جده عن ابن عباس رفعه قال: «من قال إذا أصبح, وإذا أمسى: بسم الله, وبالله, ولا حول ولا قوة إلا بالله, اعتصمت بالله, وتوكلت على الله, حسبي الله, لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وفي, وكفي, وشفي من الحرق, والغرق, والهدم, ومتية السوء» فلما قلتها رفع لي ضوء نار, فقصدتها فإذا بها الأعرابي في خيمة له, وإذا هو يوقد نارًا بين يديه, فقلت: أيها الأعرابي هل من ضيافة؟ قال: انزل. فنزلت فقال لزوجته: هاتي ذاك الشعير, فأتت به, فقال: اطحنيه فابتدأت تطحنه فقلت له: اسقني ماء, فأتاني بسقاء فيه مذقة من لبن أكثرها ماء, فشربت منها شربة ما شربت شيئًا قط إلا هي أطيب منه. قال: وأعطاني حلسًا, فوضعت رأسي عليه, فنمت نومة ما نمت نومة أطيب منها وألذ, ثم انتبهت فإذا هو قد وثب إلى شويهة, فذبحها وإذا امرأته تقول: ويحك قتلت نفسك, وصبيتك إنما كان معاشكم من هذه الشاة فذبحتها فبأي شيء نعيش؟ قال: فقلت: لا عليك هذه الشاة, فشققت جوفها, واستخرجت كبدها بسكين كانت في خفي, فشرحتها, ثم طرحتها على النار, فأكلتها, ثم قلت: هل عندك شيء أكتب لك فيه, فجاءني بهذه القطعة الجراب فأخذت عودًا من الزناد الذي كان بين يديه, فكتبت له هذا الكتاب, وختمته بهذا الخاتم, وأمرته أن يجيء, ويسأله على الربيع, فيدفعها إليه, فإذا في الرقعة خمسمائة ألف درهم, فقال: والله ما أردت إلا خمسين ألف درهم, ولكن جرت بخمسمائة ألف درهم لا أنقص والله منها درهمًا واحدًا, ولو لم يكن في بيت المال غيرها, احملوها معه فما كان إلا قليلًا حتى كثرت إبله, وشاؤه, وصار منزلًا من المنازل ينزله الناس ممن أراد الحج من الأنبار إلى مكة, وسمي منزل مضيف أمير المؤمنين المهدي.
* عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: حج الرشيد ومعه جعفر بن يحيى البرمكي. قال: وكنت معهم فلما صرنا إلى مدينة الرسول. قال لي جعفر بن يحيى: أحب أن تنظر لي جارية ولا تبقى غاية في حذاقتها بالغناء, والضرب, والكمال في الظرف, والأدب, وجنبني قولهم صفراء. قال: فوضعتها على يد من يعرف. قال: فأرشدت إلى جارية لرجل, فدخلت عليه, فرأيت رسوم النعمة, وأخرجها إليَّ, فلم أر أجمل منها, ولا أصبح, ولا آدب. قال: ثم تغنت إليَّ أصواتًا, وأجادتها. قال: فقلت لصاحبها: قل ما شئت. قال: أقول لك قولًا لا أنقص منه درهمًا. قال: قلت: قل. قال: أربعين ألف دينار. قال: قلت: قد أخذتها, واشترطت عليك نظرة. قال: ذاك لك. قال: فأتيت جعفر بن يحيى, فقلت: قد أصبت حاجتك على غاية الكمال, والظرف, والأدب, والجمال, ونقاء اللون, وجودة الضرب, والغناء, وقد اشترطت نظرة, فاحمل المال, ومر بنا. قال: فحملنا المال على حمالين وجاء جعفر مستخفيًا, فدخلنا على الرجل, فأخرجها فلما رآها جعفر عجب بها, وعرف أن قد صدقته, ثم غنته, فازداد بها عجبًا, فقال لي: اقطع أمرها. قال: قلت لمولاها: هذا المال قد نقدناه, ووزناه فإن قنعت, والإ فوجه إلى من شئت لينقد. فقال: لا بل أقنع بما قلتم. قال: فقالت الجارية: يا مولاي في أي شيء أنت؟ فقال: قد عرفت ما كنا فيه من النعمة, وما كنت فيه من انبساط اليد, وقد انقبضت عن ذلك لتغير الزمان علينا, فقدرت أن تصيري إلى هذا الملك فتنبسطي في شهواتك, وارادتك. فقالت الجارية: والله يا مولاي لو ملكت منك ما ملكت مني ما بعتك بالدنيا وما فيها, وبعد فاذكر العهد, وقد كان حلف لها أن لا يأكل لها ثمنًا. قال: فتغرغرت عين المولى, وقال: اشهدوا أنها حرة لوجه الله, وأني قد تزوجتها, وأمهرتها داري, فقال لي جعفر: انهض بنا. قال: فدعوت الحمالين ليحملوا المال. قال: فقال جعفر: لا والله لا يصحبنا منه درهم. قال: ثم أقبل على مولاها, فقال: هو لك, مبارك لك فيه أنفقه عليها وعليك. قال: وقمنا فخرجنا.
* بلغ الحسن بن عمارة أن الأعمش يقع فيه, فبعث إليه بكسوة, فلما كان بعد ذلك مدحه الأعمش, فقيل له: كنت تذمه ثم مدحته, فقال: إن خيثمة حدثني عن عبد الله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:… «إن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها, وبغض من أساء إليها»
* عن ابن فضلان الرازي قال: كان أبي أحد الباعة ببغداد, وكنت على سرير حانوته جالسًا, فمر إنسان ظننت أنه من فقراء البغداديين, وأنا حينئذ لم أبلغ الحلم, فجذب قلبي, وقمت إليه فسلمت عليه, ومعي دينار فدفعته إليه, فتناوله, ومضى, ولم يقبل عليَّ. فقلت في نفسي: ضيعت الدينار, فتبعته حتى انتهى إلى مسجد الشونيزية, فرأى فيه ثلاثة فقراء, فدفع الدينار إلى أحدهم, واستقبل هو القبلة يصلي, فخرج الذي أخذ الدينار, وأنا أتبعه وراءه أراقبه, فاشترى طعامًا, فحمله فأكله الثلاثة, والشيخ مقبل على صلاته يصلى, فلما فرغوا أقبل عليهم الشيخ فقال: تدرون ما حبسني عنكم؟ قالوا: لا يا أستاذ. قال: شاب ناولني الدينار, فكنت أسأل الله أن يعتقه من رق الدنيا, وقد فعل فلم أتمالك أن قعدت بين يديه, وقلت: صدقت يا أستاذ, فلم أرجع إلى والدي إلا بعد حجتين. قال جعفر: وكان هذا الشيخ خاقان.
* عن حماد بن أبي حنيفة قال: أن مولاة لداود كانت تخدمه, فقالت: لو طبخت لك دسمًا تأكله. قال: وددت. قالت: فطبخت له دسمًا, ثم أتته به, فقال لها: ما فعل أيتام بني فلان؟ قالت: على حالهم. قال: اذهبي بهذا إليهم, فقالت: أنت لم تأكل آدمًا منذ كذا وكذا, فقال: إن هذا إذا أكلوه كان عند الله مذخورًا, وإذا أكلته كان في الحش.
* كان اسم أبي دلامة الزند بن جون, وكان أعرابيًا, وكان عبدًا لرجل من أهل الرقة من بني أسد, ثم من بني نصر بن قعين يقال له قصاقص بن لاحق, فأعتقه فلما صار أبو دلامة مع أبي جعفر, واستملحه, وحظي عنده كلمه في مولاه, فأجابه إلى أن صيره في الصحابة, وقال: إن عدت ثانية إلى أن تكلمني في إنسان, أو تعيده على شيئًا من هذا لأقتلنك.
* عن صالح بن عبد الكريم قال: رأيت غلامًا أسود في طريق مكة عند ميل يصلي. قلت له: عبد أنت؟ قال: نعم. قلت: فعليك ضريبة؟ قال: نعم. قلت: أفلا أكلم مولاك أن يضع عنك؟ قال: وما الدنيا كلها فأجزع من ذلها. قال: فاشتريته, وأعتقته. قال: فقعد يبكي, وقال: أعتقتني؟ قلت: نعم. قال: أعتقك الله يوم القيامة, وقعد يبكي, ويقول: اشتد عليَّ الأمر. قال: فناولته دنانير فأبى أن يأخذها. قال: فحججت بعد ذلك بأربع سنين, فسألت عنه, فقالوا: غاب عنا فمذ غاب عنا قحطنا, وصار إلى جدة.
* مر أبو تراب النخشبي بمزين, فقال له: تحلق رأسي لله, فقال له: اجلس فجلس ففيما هو يحلق رأسه مر به أمير أهل بلده, فسأل حاشيته, فقال لهم: أليس هذا أبو تراب؟ فقالوا: نعم, فقال: أيش معكم من الدنانير؟ فقال له رجل من خاصته: معي خريطة فيها ألف دينار. فقال: إذا قام, فأعطه, واعتذر إليه, وقل له لم يكن معنا غير هذه الدنانير, فجاء الغلام إليه فقال له: إن الأمير يقرأ عليك السلام, وقال لك: ما حضر معنا غير هذه الدنانير, فقال له: ادفعها إلى المزين, فقال له المزين: أيش أعمل بها؟ فقال: خذها. فقال: لا والله, ولو أنها ألفي دينار ما أخذتها, فقال له أبو تراب: مر إليه, فقل له: إن المزين ما أخذها خذها أنت, فاصرفها في مهماتك.
* كان ابن ماسى من دار كعب ينفذ إلى عمر غلام ثعلب وقتًا بعد وقت كفايته لما ينفق على نفسه، فقطع ذلك عنه مدة لعذر، ثم أنفذ إليه بعد ذلك جملة ما كان في رسمه، وكتب إليه رقعة يعتذر إليه من تأخير ذلك عنه, فرده وأمر من بين يديه أن يكتب على ظهر رقعته: أكرمتنا فملكتنا، ثم أعرضت عنا فأرحتنا.
* عن محمد بن زكريا الغلابي قال: قيل للعتبي: مات محمد بن عباد المهلبي بالبصرة. فقال: نحن متنا بفقده، وهو حي بمجده.
* عن الواقدي قال: كنت حناطًا بالمدينة في يدي مائة ألف درهم للناس أضارب بها، فتلفت الدراهم، فشخصت إلى العراق، فقصدت يحيى بن خالد فجلست في دهليزه، وآنست الخدم والحجاب, وسألتهم أن يوصلوني إليه, فقالوا: إذا قدم الطعام إليه لم يحجب عنه أحد، ونحن ندخلك عليه ذلك الوقت, فلما حضر طعامه أدخلوني, فأجلسوني معه على المائدة فسألني من أنت؟ وما قصتك؟ فأخبرته فلما رفع الطعام, وغسلنا أيدينا دنوت منه لأقبل رأسه, فاشمأز من ذلك، فلما صرت إلى الموضع الذي يركب منه لحقني خادم معه كيس فيه ألف دينار, فقال: الوزير يقرأ عليك السلام, ويقول لك: استعن بها على أمرك وعد إلينا في غد، فأخذته وانصرفت, وعدت في اليوم الثاني, فجلست معه على المائدة، وأنشأ يسألني كما سألني في اليوم الأول, فلما رفع الطعام دنوت منه لأقبل رأسه فاشمأز منه، فلما صرت إلى الموضع الذي يركب منه لحقني خادم معه كيس فيه ألف دينار فقال: الوزير يقرأ عليك السلام, ويقول استعن بهذا على أمرك وعد إلينا في غد، فأخذته وانصرفت وعدت في اليوم الثالث، فأعطيت مثلما أعطيت في اليوم الأول والثاني، فلما كان في اليوم الرابع أعطيت الكيس كما أعطيت قبل ذلك، وتركني بعد ذلك أقبل رأسه, وقال: إنما منعتك ذلك لأنه لم يكن وصل إليك من معروفي ما يوجب هذا، فالآن قد لحقت بعض النفع مني، يا غلام أعطه الدار الفلانية، يا غلام افرشها الفرش الفلاني, يا غلام أعطه مائتي ألف درهم، يقضي دينه بمائة ألف، ويصلح شأنه بمائة ألف، ثم قال لي: الزمني, وكن في داري. فقلت: أعود إلى حضرتك كان ذلك أرفق بي, فقال: قد فعلت, وأمر بتجهيزي فشخصت إلى المدينة، فقضيت ديني, ثم رجعت إليه، فلم أزل في ناحيته.
* عن الحارث بن مسكين قال: اشترى قوم من الليث بن سعد ثمرة, فاستغلوها, فاستقالوه, فأقالهم, ثم دعا بخريطة فيها أكياس, فأمر لهم بخمسين دينارًا, فقال له الحارث ابنه في ذلك, فقال: اللهم غفرًا, إنهم قد كانوا أملوا فيه أملًا, فأحببت أن أعوضهم من أملهم بهذا.
* عن يحيى بن الحسن قال: أن رجلًا من ولد عمر بن الخطاب كان بالمدينة يؤذيه, ويشتم عليًا. قال: وكان قد قال له بعض حاشيته: دعنا نقتله, فنهاهم عن ذلك أشد النهي, وزجرهم أشد الزجر, وسأل عن العمري فذكر له أنه يزدرع بناحية من نواحي المدينة, فركب إليه في مزرعته, فوجده فيها, فدخل المزرعة بحماره, فصاح به العمري: لا تطأ زرعنا, فوطئه بالحمار حتى وصل إليه, فنزل, فجلس عنده, وضاحكه, وقال له: كم غرمت في زرعك هذا؟ قال له: مائة دينار. قال فكم ترجو أن يصيب؟ قال: أنا لا أعلم الغيب. قال: إنما قلت لك: كم ترجو أن يجيئك فيه؟ قال: أرجو أن يجيئني مائتا دينار. قال: فأعطاه ثلاثمائة دينار, وقال: هذا زرعك على حاله. قال: فقام العمري فقبل رأسه, وانصرف. قال: فراح إلى المسجد, فوجد العمري جالسًا, فلما نظر إليه قال: الله أعلم حيث يجعل رسالته. قال: فوثب أصحابه فقالوا له: ما قصتك؟ قد كنت تقول خلاف هذا. قال: فخاصمهم وشاتمهم. قال: وجعل يدعو لأبي الحسن موسى كلما دخل, وخرج. قال: فقال أبو الحسن موسى لحاشيته الذين أرادوا قتل العمري: أيما كان خير ما أردتم أو ما أردت أن أصلح أمره بهذا المقدار؟!
* قال عيسى بن محمد بن مغيث القرظي: زرعت بطيخا وقثاء وقرعًا في موضع بالجوَّانية على بئر يقال لها: أم عظام، فلما قرب الخير، واستوى الزرع، بغتني الجراد، فأتى على الزرع كله، وكنت غرمت على الزرع وفي ثمن جملين مائة وعشرين دينارًا، فبينما أنا جالس طلع موسى بن جعفر بن محمد فسلم ثم قال: أيش حالك؟ فقلت: أصبحت كالصريم بغتني الجراد فأكل زرعي، قال: وكم غرمت فيه؟ قلت: مائة وعشرين دينارًا مع ثمن الجملين، فقال: يا عرفة زن لأبي المغيث مائة وخمسين دينارًا، فربحك ثلاثين دينارًا والجملين، فقلت: يا مبارك ادخل وادع لي فيها، فدخل ودعا وحدثني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تمسكوا ببقايا المصائب» ثم علقت عليه الجملين وسقيته، فجعل الله فيها البركة زكت فبعت منها بعشرة آلاف.
* عن محمد بن موسى قال: خرجت مع أبي إلى ضياعه بساية فأصبحنا في غداة باردة, وقد دنونا منها, وأصبحنا على عين من عيون بساية, فخرج إلينا من تلك الضياع عبد زنجي, فصيح مستذفر بخرقة على رأسه قدر فخار يفور, فوقف على الغلمان, فقال: أين سيدكم؟ قالوا: هو ذاك. قال: أبو من يكنى؟ قالوا له: أبو الحسن. قال: فوقف عليه, فقال: يا سيدي يا أبا الحسن هذه عصيدة أهديتها إليك. قال: ضعها عند الغلمان فأكلوا منها. قال: ثم ذهب فلم نقل بلغ حتى خرج على رأسه حزمة حطب حتى وقف, فقال له: يا سيدي هذا حطب أهديت إليك. قال: ضعه عند الغلمان وهب لنا نارًا, فذهب, فجاء بنار. قال: وكتب أبو الحسن اسمه واسم مولاه, فدفعه إليَّ, وقال: يا بني احتفظ بهذه الرقعة حتى أسألك عنها. قال: فوردنا إلى ضياعه, وأقام بها ما طاب له, ثم قال: امضوا بنا إلى زيارة البيت. قال: فخرجنا حتى وردنا مكة, فلما قضى أبو الحسن عمرته دعا صاعدًا, فقال: اذهب فاطلب لي هذا الرجل فإذا علمت بموضعه, فأعلمني حتى أمشي إليه, فإني أكره أن أدعوه والحاجة لي. قال لي صاعد: فذهبت حتى وقفت على الرجل فلما رآني عرفني, وكنت أعرفه, وكان يتشيع, فلما رآني سلم عليَّ, وقال: أبو الحسن قدم؟ قلت: لا. فقال: فأيش أقدمك؟ قلت: حوائج, وقد كان علم بمكانه بساية, فتتبعني, وجعلت أتقصى منه, ويلحقني بنفسه, فلما رأيت أني لا أنفلت منه مضيت إلى مولاي, ومضى معي حتى أتيته, فقال: ألم أقل لك لا تعلمه؟ فقلت: جعلت فداك لم أعلمه, فسلم عليه. فقال له أبو الحسن: غلامك فلان تبيعه؟ قال له: جعلت فداك الغلام لك, والضيعة, وجميع ما أملك. قال: أما الضيعة, فلا أحب أن أسلبكها, وقد حدثني أبي عن جدي «أن بائع الضيعة ممحوق, ومشتريها مرزوق» قال: فجعل الرجل يعرضها عليه مدلًا بها, فاشترى أبو الحسن الضيعة, والرقيق منه بألف دينار, وأعتق العبد, ووهب له الضيعة. قال إدريس بن أبي رافع: فهو ذا ولده في الصرافين بمكة.
(13/ 29 ـ 30)
* عن أبي هشام قال: مرت جارية معها سلة فيها رطب بمندل بن علي العنزي, وأصحاب الحديث حوله, فوقفت تنظر, وتسمع, فنظر إليها مندل, فظن أن السلة قد أهديت له, فقال: قدميها قدميها, وقال لمن حوله: كلوا, فأكلوا ما فيها, وانصرفت الجارية إلى سيدها, وقد احتبست, فقال لها: ما أسرع ما جئت؟ فقالت: وقفت أسمع من هذا الشيخ, فقال: قدمي السلة, ففعلت, فأكل الذين حوله ما فيها, وكان سيدها رجل من العرب, فقال: ها, أنت حرة لوجه الله عز وجل.
* عن يحيى بن خالد قال: إذا أقبلت الدنيا, فأنفق فإنها لا تفنى, وإذا أدبرت فأنفق فإنها لا تبقى.