قلت: هذا تجويز من قائله ولم يرد في شيء من مصادر الخبر نقل كراهية بريدة أو إنكاره فضلا عن رده وامتناعه عما ناوله معاوية. ولو كان بريدة رضي الله عنه يظن ذلك لما جلس هذا المجلس « من كان يؤمن باللهeولنقل ابنه استفهامه على أقل تقدير. وقد قال رسول الله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر» .
ثم إن مما يتبادر للذهن أن الشراب هو اللبن بدليل أن معاوية في سنه هذه لا يفضل عليه غيره كما في آخر الخبر. والله أعلم
ولا يعقل أن لا تتضمن الرواية عدم كرهية بريدة أو إنكاره ذلك لو خمرا كما يزعمون. وإن آخر ما يمكن أن يفهم هو أن معاوية شرب الخمر. كيف وهو ينص في الخبر ذاته على أنه لم يشربها قط منذ أن حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومعاوية هو راو حديث جلد الشارب ثلاثا ثم قتله في الرابعة.
ومن شدته في مسألة المسكر أنه أمر بقتل السكران إذا قتل مع أن بعضهم لا يوقعه.
والإشكال هو أن معاوية لما ناول بريدة الشراب، قال: ما شربته منذ حرمه النبي.
فظن بعضهم أن الضمير هنا يعود على الشراب الذي ناوله لبريدة وهذا غلط شديد جدا لأن الضمير هنا لا يعود على ذلك الشراب بل هو ضمير في مكان شيء ظاهر يقول فيه النحويون: أضمر في مقام الإظهار أي أنه جاء بالضمير عوض أن يأتي بالاسم الظاهر، والعرب تستعمل هذا كثيرا، إذا أرادت أن تتكلم عن شيء تستشنعه وتستقذره وتستحيي من التلفظ به، تأتي بالضمير ولا تأتي بالظاهر وهذا من جمال لغة العرب.
وضع معاوية الشراب في يد بريدة ثم قال: ما شربته، أي الخمر منذ حرمه النبي وكان حقه أن يقول: ما شربت الخمر منذ حرمه النبي ولكنه جاء بالضمير عوض الظاهر استشناعا للنطق باسم الخمر.
وهذا دليل على فضله ومبالغته في التحرز من الخمر فالذي يستشنع مجرد النطق باسم الخمر، كيف يشربه؟
وقد ابلغ في الغلط من تصور أن الضمير في قوله (ما شربته) يرجع إلى الشراب الذي بين أيديهم.