ثانيًا: لم يكنْ عَلِي - رضي الله عنه - قادرًا على تنفيذ القِصاص في قَتَلة عثمان - رضي الله عنه - لعدم عِلْمه بأعيانهم، ولاختلاط هؤلاء الخوارج بجيشه، مع كثرتهم واستعدادِهم للقِتال، وقد بلَغَ عددُهم ألْفَي مقاتل كما في بعض الروايات؛ كما أنَّ بعضَهم ترَكَ المدينة إلى الأمصار عقب بيعة عَلِي.
وقد كان كثيرٌ من الصحابة خارج المدينة في ذلك الوقت، ومنهم أُمَّهات المؤمنين - رضي الله عنهنَّ - لانشغال الجميع بالحجِّ، وقد كان مَقتلُ عثمان - رضي الله عنه - يوم الجمعة لثمان عشرة خَلَتْ من ذي الحجة، سنة خمسة وثلاثين على المشهور.
ثالثًا: لَمَّا مَضَتْ أربعة أشهر على بيعة عَلِي دون أنْ ينفِّذَ القِصاصَ، خرَجَ طلحة والزبير إلى مكة، والْتَقوا بأُمِّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - واتَّفقَ رأيُهم على الخروج إلى البصرة؛ ليقفوا بِمَن فيها من الخيل والرجال - ليس لهم غرضٌ في القتال - وذلك تمهيدًا للقبْض على قَتَلة عثمان - رضي الله عنه - وإنفاذِ القِصاص فيهم.
ويدلُّ على ذلك ما أخرجَه أحمد في"المسند"، والحاكم في"المستدرك": أنَّ عائشة - رضي الله عنها - لما بلغَتْ مياه بَني عامر ليلًا، نبحتِ الكلاب، قالتْ: أيُّ ماء هذا؟ قالوا: ماء الحَوْأَب، قالتْ: ما أظنُّني إلا راجعة؛ إنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال لنا: (( كيف بإحداكُنَّ تنبحُ عليها كلابُ الحَوْأَب ) )؛ فقال لها الزبير: ترجعينَ! عسى الله - عزَّ وجلَّ - أن يُصلحَ بكِ بين الناس.
قال الألباني: إسنادُه صحيح جدًّا، صحَّحه خمسة من كبار أئمة الحديث هم: ابن حِبَّان، والحاكم، والذهبي، وابن كَثير، وابن حَجر؛"سلسلة الأحاديث الصحيحة"، رقم (474) .