لسمعتم مني في أقطارها زئيرا يخرجك أنت وأصحابك، ولألحقتك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع، خاملا غير عزيز، فبايعه الناس جميعا حتى كادوا يطؤن سعدا. فقال سعد (بن عبادة) قتلتموني، فقيل: اقتلوه قتله الله، فقال سعد: احملوني من هذا المكان، فحملوه وأدخلوه داره وتُرِكَ أياما، ثم بعث إليه أبوبكر - رضي الله عنه - أن أقبل فبايع فقد بايع الناس وبايع قومك، فقال: أما والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل وأخضب (1) منكم سناني ورمحي وأضربكم بسيفي ما مَلَكَتْهُ يدي وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي، ولا والله لوأن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم حسابي، فلما أتى بذلك أبوبكر من قوله، قال عمر: لا تدعه حتى يبايعك، فقال لهم بشير بن سعد: إنه قد أبى ولجَّ وليس يبايعك حتى يُقتل، وليس بمقتول حتى يُقتل ولده معه وأهل بيته وعشيرته، ولن تقتلوهم حتى تُقْتَلَ الخزرج، ولن تُقْتَل الخزرج حتى تُقْتَلَ الأوس، فلا تفسدوا على أنفسكم أمرا قد استقام لكم، فاتركوه فليس تركه بضاركم وإنما هورجل واحد. فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد واستنصحوه (2) لما بدا لهم منه، فكان سعد بن عبادة لا يصلي بصلاتهم ولا يجتمع بجماعتهم (3) ولا يفيض بإفاضتهم ولويجد عليهم أعوانا لصال بهم، ولويبايعه أحد على قتالهم لقاتلهم، فلم يزل كذلك حتى تُوُفِّيَ أبوبكر رحمه الله ووَلِيَ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فخرج (أي سعد) إلى الشام فمات بها ولم يبايع لأحد رحمه الله )) (4) .
موقف بقية أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)
(1) أخضب: الخضاب هوالحناء، والمراد حتى أسيل دمكم على سناني ورمحي.
(2) أي: وجدوه ناصحا لهم عاملا لخيرهم. (مت)
(3) أي: لا يصلي الجمعة معهم. (مت)
(4) الإمامة والسياسة: ج 1/ ص 14.