وبعد أن اتضحت براءة معاوية رضي الله عنه من هذا البهتان فإن التهمة تتجه إلى زياد بن أبيه بأنه هو الذي ألحق نسبه بنسب أبي سفيان ، وهذا ما ترجح لدي من خلال الرواية التي أخرجها مسلم في صحيحه من طريق أبي عثمان قال: لما ادعى زياد ، لقيت أبا بكرة فقلت: ما هذا الذي صنعتم ؟ إني سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من ادعى أبًا في الإسلام غير أبيه ، يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام ) ، فقال أبو بكرة: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم . صحيح مسلم بشرح النووي ( 2/ 51 - 52 ) والبخاري مع الفتح ( 12 / 54 ) .
قال النووي رحمه الله معلقًا على هذا الخبر:( .. فمعنى هذا الكلام الإنكار على أبي بكرة ، وذلك أن زيادًا هذا المذكور هو المعروف بزياد بن أبي سفيان ، ويقال فيه: زياد بن أبيه ، ويقال: زياد بن أمه ، وهو أخو أبي بكرة لأمه .. فلهذا قال أبو عثمان لأبي بكرة: ما هذا الذي صنعتم ؟
وكان أبو بكرة رضي الله عنه ممن أنكر ذلك وهجر بسببه زيادًا وحلف أن لا يكلمه أبدًا ، ولعل أبا عثمان لم يبلغه إنكار أبي بكرة حين قال له هذا الكلام ، أو يكون مراده بقوله: ما هذا الذي صنعتم ؟ أي ما هذا الذي جرى من أخيك ما أقبحه وأعظم عقوبته ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حرم على فاعله الجنة ). شرح صحيح مسلم ( 2 / 52 ) .
وقال أيضًا: قوله: ادُّعِي ) ضبطناه بضم الدال وكسر العين مبني لما لم يسم فاعله ، أي ادعاه معاوية ، ووجد بخط الحافظ أبي عامر العبدري - وهو إمام من أعيان الحفاظ من فقهاء الظاهرية ( ت 524هـ ) ، انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ للذهبي ( 4 / 1272 ) - ( ادَّعَى ) بفتح الدال والعين ، على أن زيادًا هو الفاعل ، وهذا له وجه من حيث إن معاوية ادعاه ، وصدقه زياد فصار زياد مدعيًا أنه ابن أبي سفيان ، والله أعلم . شرح مسلم ( 2 / 52 - 53 ) .