وكنا نتمنى من هذا المحقق بالإضافة إلى تحقيقه وطعنه لما تواتر من الأخبار ؛ أن يقوم بتحقيق الشاذ منها أيضًا ، وأن يفرغ نفسه قليلًا لها ، ولكن العقول المنكوسة قد أعيت الأطباء ، وبالرجوع إلى تاريخ الطبري رحمه الله نجد أن مدار هذه الروايات التي تطعن في أبي بردة رحمه الله يدور على أبي مخنف يحيى بن لوط الشيعي المحترق ، وقد قال عنه يحيى بن معين: ليس بثقة ، وقال أبو حاتم: متروك الحديث ، وقال الدارقطني: أخباري ضعيف !!! فهنيئًا مريئًا له هذا الإسناد .
وأما الخبر الثاني الذي ذكره فهو: ( وروي أيضًا أنه قال لأبي الغادية ـ قاتل عمار ابن ياسر رضي الله تعالى عنه ـ: أ أنت قتلت عمار بن ياسر؟ قال: نعم . قال: فناولني يدك . فقبلها وقال: لا تمسك النار أبدًا ! ) ، وقد أحال المرجع إلى شرح النهج لابن أبي الحديد الشيعي ، وقد رواه ابن أبي الحديد الشيعي بإسناد منقطع عن عبدالرحمن المسعودي عن ابن عياش المنتوف ، وابن عياش لم أجد له ترجمة ، والمسعودي إن كان هو المؤرخ المشهور فهو ساقط في مقام الاحتجاج لتشيعه المغالي .
ثم انظروا في محصلة الأمر لهذا الميلاني المائل عن الحق: يحتج بالمنقطع المبتور من الروايات ، وبخزعبلات يحيى بن لوط الفاسق الأثيم لتضعيف أبي بردة رحمه الله تعالى الثقة الثبت ، والذي قال فيه علماء الجرح والتعديل وصيارفة الحديث والنقل: ( الإمام الفقيه الثبت ... وكان من أئمة الاجتهاد ... قال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وقال العجلي كوفي تابعي ثقة ) . ( راجع الترجمة في سير أعلام النبلاء ) ، فياللعجب !!
ثم ذكر تضعيف عبدالملك بن عمير بقوله: ( وهو « مدلّس » و « مضطرب الحديث جدًا » و « ضعيف» .