... وأما قول الرافضي: إن أول من غير سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - هو عثمان وعائشة -رضي الله عنهما- مشيرًا لإتمام عثمان - رضي الله عنه - الصلاة في منى، وأن عائشة كانت تتم الصلاة في السفر.
... فجوابه: أن عثمان وعائشة -رضي الله عنهما- كانا مجتهدين، وقد اختلف العلماء في وجه اجتهادهما اختلافًا كبيرًا، وذكروا وجوهًا كثيرة في ذلك. (2) لكن الذي صوبه أكثر المحققين وقطعوا به، أنهما كانا يريان جواز القصر والإتمام، فأخذا بأحد الجائزين.
... قال النووي: «اختلف العلماء في تأويلهما، فالصحيح الذي عليه المحققون:أنهما رأيا القصر جائزًا والإتمام جائزًا، فأخذا بأحد الجائزين،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... فتح الباري 2/14.
(2) ... انظر شرح صحيح مسلم للنووي 5/195، والمفهم للقرطبي 2/327، وفتح الباري لابن حجر 2/570-571.
وهو الإتمام». (1)
... وقال القرطبي: «اختلف في تأويل إتمام عائشة وعثمان في السفر على أقوال، وأولى ما قيل في ذلك أنهما تأولا: أن القصر رخصة غير واجبة، وأخذا بالأكمل، وما عدا هذا القول إما فاسد وإما بعيد» . (2) ثم ذكر بقية الأقوال ورد عليها.
... وهذا الذي ذكره القرطبي هنا في سبب تأولهما فيه ترجيح الإتمام على القصر على اعتبار أن القصر رخصة، وأن الإتمام عزيمة ولذا قال: أخذا بالأكمل. بخلاف توجيه النووي فالظاهر منه أنه يستوى فيه الأمران وإنما أخذا بأحد الجائزين.
... وقد فرق بعض المحققين بين سبب إتمام عثمان، وإتمام عائشة -رضي الله عنهما-.
... كما ذهب إلى ذلك الحافظ ابن حجر حيث قال في شرح عبارة: (إن عائشة تأولت كما تأول عثمان) : «التشبيه بعثمان في الإتمام بتأويل، لا اتحاد تأويلهما، ويقويه أن الأسباب اختلفت في تأويل عثمان فتكاثرت، بخلاف تأويل عائشة» . (3)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... شرح صحيح مسلم 5/195.
(2) ... المفهم للقرطبي 2/327.