القبض معناه: جمع اليد على الشيء، ويقال حينئذ قَبَضتْه اليد، ويقال قبض عنه يده أي جمعها قبل تناوله، فلم يأخذه، وذلك يقال فيه إنه إمساك عنه، ويقال لإمساك اليد عن البذل قبض، ومن ذلك قوله تعالى: (وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ. . .) ، أي يمتنعون عن الإنفاق؛ ولذلك أطلق القبض على المنع، والبسط على العطاء؛ قال الأصفهاني في قوله تعالى: (يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ) : (أي يسلب تارة، ويعطي تارة أخرى، ويسلب قوما ويعطي قوما، ويجمع مرة ويفرق أخرى) .
والبسط معناه النشر والتوسعة، وبسط الرزق التوسعة فيه، والبسطة في الجسم أن يكون مديد القامة بعيد ما بين المنكبين وذلك كناية عن القوة؛ والبسط المد، وقد يطلق ويراد به الصولة والقوة، كما يراد به الإعطاء، ومن الأول قوله تعالى: (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ. . . -) ، ومن الثاني قوله تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ. . .) .
وتقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: (وَإِليهِ تُرْجَعونَ) للدلالة على كمال سلطان الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة، وأنه لَا سلطان لأحد سواه، ولا مرجع إلا إليه؛ فالمعنى: إليه سبحانه وتعالى وحده ولا أحد غيره ترجعون، تعادون بالبعث في الآخرة، وترجعون إليه في الدنيا، فهو وحده فوق عباده يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويقبض ويبسط، ويفرق ويجمع، وكل ذلك بأسباب وضعها، وسنن أحكمها؛ فلا ينصر إلا من يعمل للنصر، ولا يخذل من أخذ الأهبة واستعد
للأ مر، ولا ينصر بعد أخذ الأسباب إلا أهل الحق (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(40) .
وقد يقول قائل: إن الحكمة الإلهية قد اقتضت أن يكون كل عمل له نتائجه وثمراته، فمن يعمل خيرًا يجد ثمرة عمله، ومن يَجِدُّ يَجِدُ نتائج جده، فالغنى والفقر ثمرتان للعمل والكسل، فمن عمل واتخذ الأسباب وسار فيها نال الثمرة، ومن كَسِل وأهمل ناله الفقر ولا يلومنَّ إلا نفسه، وقد تكرر في القرآن أن الله القابض الباسط، وأنه الرازق، وأنه يرزق من يشاء، فكيف يوفق القارئ بين ذلك السنن الحكيم، وبين ذلك القول الكريم؟