وأما القسم الأول: وهو أن المراد من السكينة شيء كان موضوعاً فِي التابوت ، وعلى هذا ففيه أقوال الأول: وهو قول أبي مسلم أنه كان فِي التابوت بشارات من كتب الله تعالى المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام ، بأن الله ينصر طالوت وجنوده ، ويزيل خوف العدو عنهم الثاني: وهو قول علي عليه السلام: كان لها وجه كوجه الإنسان ، وكان لها ريح هفافة والثالث: قول ابن عباس رضي الله عنهما: هي صورة من زبرجد أو ياقوت لها رأس كرأس الهر ، وذنب كذنبه ، فإذا صاحت كصياح الهر ذهب التابوت نحو العدو وهم يمضون معه فإذا وقف وقفوا ونزل النصر.
القول الرابع: وهو قول عمرو بن عبيد: إن السكينة التي كانت فِي التابوت شيء لا يعلم.
واعلم أن السكينة عبارة عن الثبات والأمن ، وهو كقوله فِي قصة الغار: {فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين} [الفتح: 26] فكذا قوله تعالى: {فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ} معناه الأمن والسكون. (1)
واحتج القائلون بأنه حصل فِي التابوت شيء بوجهين الأول: أن قوله: {فِيهِ سَكِينَةٌ} يدل على كون التابوت ظرفاً للسكينة والثاني: وهو أنه عطف عليه قوله: {وَبَقِيَّةٌ مّمَّا تَرَكَ ءالُ موسى} فكما أن التابوت كان ظرفاً للبقية وجب أن يكون ظرفاً للسكينة.
والجواب عن الأول: أن كلمة {فِي} كما تكون للظرفية فقد تكون للسببية قال عليه الصلاة والسلام:"فِي النفس المؤمنة مائة من الإبل"وقال:"فِي خمس من الإبل شاة"أي بسببه فقوله فِي هذه الآية: {فِيهِ سَكِينَةٌ} أي بسببه تحصل السكينة.
والجواب عن الثاني: لا يبعد أن يكون المراد بقية مما ترك آل موسى وآل هارون من الدين والشريعة ، والمعنى أن بسبب هذا التابوت ينتظم أمر ما بقي من دينهما وشريعتهما.
(1) هذا ما تطمئن إليه النفس فِي المراد من السكينة فِي الآية الكريمة. والله أعلم.