وهذا في المفوضة، وهي رشيدة قالت لوليها: زوجني بلا مهر، فزوجها كذلك بأن نفى المهر أو سكت عنه، أو زوج بدون مهر المثل، أو بغير نقد البلد، فلا مهر لها؛ لخلو النكاح عن الوطء والفرض، ولكن لها المتعة كما سيأتي، أما الممسوسة - أي: الموطؤة - فلها كل المهر، وإن لم يفرض لها، وأما غير الممسوسة: فلها نصف المسمى إن فرض لها، وإن لم يفرض لها .. فلا مهر لها، بل تجب لها المتعة كما ذكره بقوله: {وَمَتِّعُوهُنَّ} معطوف على مقدر تقديره: فطلقوهن ومتعوهن؛ أي: أعطوهن من مالكم ما يتمتعن به جبرًا لإيحاش الطلاق والمتعة والمتاع، وما يتبلغ به من الزاد، وتقديرها: مفوض إلى رأي الحاكم كما يدل عليه قوله: {عَلَى الْمُوسِعِ} ؛ أي: على الغني الذي في سعة من غناه {قَدَرُهُ} ؛ أي: قدر إمكانه وطاقته، وهو بفتح الدال وكسرها قراءتان سبعيتان {وَعَلَى الْمُقْتِرِ} ؛ أي: وعلى الفقير الذي في ضيق من فقره. {قَدَرُهُ} ؛ أي: قدر إمكانه وطاقته، وقرأ حمزة والكسائي وحفص وابن ذكوان بفتح الدال، وقوله: {مَتَاعًا} مصدر مؤكد لعامله؛ أي: متعوهن تمتيعًا كائنًا {بِالْمَعْرُوفِ} ؛ أي: بالوجه الذي تعرفه وتستحسنه الشريعة والمروءة من غير حيف ولا ظلم، ولا بخس ولا نقص، فلا يزاد على المقتر فوق طاقته، ولا ينقص من الموسع عن طاقته، وقوله: {حَقًّا} صفة ثانية لمتاعًا، أو مصدر مؤكد لعامله؛ أي: حق ذلك حقًّا، ووجب وجوبًا {عَلَى الْمُحْسِنِينَ} ؛ أي: متاعًا واجبًا على المؤمنين الذين يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى طاعة الله تعالى، أو إلى المطلقات بتمتيعهن؛ لأن المتعة بدل المهر، وسماهم محسنين قبل الفعل باعتبار المشارفة والقرب له ترغيبًا، وتحريضًا لهم على ذلك.
قيل: نزلت هذه الآية في شأن رجل من الأنصار تزوج امرأة ولم يسم لها صداقًا، ثم طلقها قبل أن يمسها، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم:"أمتعتها؟"قال: لم يكن عندي شيء قال:"متعها ولو بقلنسوات".