والحالة الأولى: هي حالة المطلقة قبل الدخول ، ولم يكن قد فرض لها مهر معلوم. والمهر فريضة ، فالواجب فِي هذه الحالة على الزوج المطلق أن يمتعها. أي أن يمنحها عطية حسبما يستطيع. ولهذا العمل قيمته النفسية بجانب كونه نوعاً من التعويض.. إن انفصام هذه العقدة من قبل ابتدائها ينشئ جفوة ممضة فِي نفس المرأة ، ويجعل الفراق طعنة عداء وخصومة. ولكن التمتيع يذهب بهذا الجو المكفهر ، وينسم فيه نسمات من الود والمعذرة ؛ ويخلع على الطلاق جو الأسف والأسى. فهي محاولة فاشلة إذن وليست ضربة مسددة! ولهذا يوصي أن يكون المتاع بالمعروف استبقاء للمودة الإنسانية ، واحتفاظاً بالذكرى الكريمة. وفي الوقت نفسه لا يكلف الزوج ما لا يطيق ، فعلى الغني بقدر غناه ، وعلى الفقير فِي حدود ما يستطيع:
{على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} ..
ويلوّح بالمعروف والإحسان فيندّي بهما جفاف القلوب واكفهرار الجو المحيط:
{متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين} ..
والحالة الثانية: أن يكون قد فرض مهراً معلوماً وفي هذه الحالة يجب نصف المهر المعلوم. هذا هو القانون. ولكن القرآن يدع الأمر بعد ذلك للسماحة والفضل واليسر. فللزوجة - ولوليها إن كانت صغيرة - أن تعفو وتترك ما يفرضه القانون. والتنازل فِي هذه الحالة هو تنازل الإنسان الراضي القادر العفّو السمح. الذي يعف عن مال رجل قد انفصمت منه عروته. ومع هذا فإن القرآن يظل يلاحق هذه القلوب كي تصفو وترف وتخلو من كل شائبة:
{وأن تعفوا أقرب للتقوى. ولا تنسوا الفضل بينكم. إن الله بما تعملون بصير} ..
يلاحقها باستجاشة شعور التقوى. ويلاحقها باستجاشة شعور السماحة والتفضل. ويلاحقها باستجاشة شعور مراقبة الله.. ليسود التجمل والتفضل جو هذه العلاقة ناجحة كانت أم خائبة. ولتبقى القلوب نقية خالصة صافية. موصولة بالله فِي كل حال.