ونعرف جيداً أن هناك فرقاً بين العلم التجريبي المعملي والكلام النظري الأهوائي ؛ فالعلم التجريبي يشقى به صاحب التجربة ، إن العالم يكد ويتعب فِي معمله وهو الذي يشقى ويضحي بوقته وماله وبصحته ويعيش فِي ذهول عن كل شيء إلا تجربته التي هو بصددها ، فإذا ما انتهى إلى قضية اكتشافية فالذي يسعد باكتشافه هو المجتمع. لكن الأمر يختلف فِي الأشياء النظرية ؛ لأن الذي يشقى بأخطاء المقننين من البشر هو المجتمع ، إلى أن يجيء مقنن يعطف على المجتمع ويعدل خطأ من سبقه. أما الحق سبحانه وتعالى فقد جاءنا بتشريع يحمي البشر من الشقاء ، فالله - سبحانه - يتركنا فِي العالم المادي التجريبي أحراراً. ادخلوا المعمل وستنتهون إلى أشياء قد تتفقون عليها ، لكن إياكم واختلافات الأهواء ؛ لذلك تولى الله عز وجل تشريع ما تختلف فيه الأهواء ، حتى يضمن أن المجتمع لا يشقى بالخطأ من المشرعين ، لفترة من الزمن إلى أن يجيء مشرع آخر ويعدل للناس ما أخطأ فيه غيره.
لذلك نجد فِي عالمنا المعاصر الكثير من القضايا النابعة من الهوى ، ويتمسك الناس فيها بأهوائهم ، ثم تضغط عليهم الأحداث ضغطا لا يستطيعون بعدها أن يضعوا رءوسهم فِي الرمال ، بل لابد أن يواجهوها ، فإذا ما واجهوها فإنهم لا يجدون حلاً لها إلا بما شرعه الإسلام ، ونجد أنهم التقوا مع تشريعات الإسلام. إن بعضاً من الكارهين للإسلام يقولون: أنتم تقولون عن دينكم: إنه جاء ليظهر على كل الأديان ، مرة يقول القرآن:
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (28)
(سورة الفتح)
ومرة يقول القرآن: