وما دام النفي قد فرع عليه فقد انتفى ، فالأمر كما يقولون: نفي النفي إثبات. أن الاستطاعة ثابتة وباقية وكان قوله تعالى:"فلا تميلوا كل الميل"إشارة إليها. وكذلك الأمر هنا"الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان". فما دام قد قال:"فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان"وقال:"الطلاق مرتان"أي أن لكل فعل زمناً ، فذلك يتناسب مع حلقات التأديب والتهذيب ، وإلا فالطلاق الثلاث بكلمة واحدة فِي زمن واحد ، يكون عملية قسرية واحدة ، وليس فيها تأديب أو إصلاح أو تهذيب ، وفي هذه المسألة يقول الحق:"ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً"لأن المفروض فِي الزوج أن يدفع المهر نظير استمتاعه بالبضع ، فإذا ما حدث الطلاق لا يحل للمطلق أن يأخذ من مهره شيئاً ، لكن الحق استثنى فِي المسألة فقال:"إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به".
فكأن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يجعل للمرأة مخرجاً إن أريد بها الضرر وهي لا تقبل هذا الضرر. فيأتي الحق ويشرع: وما دام قد خافا ألا يقيما حدود الله ، فقد أذن لها أن افتدي نفسك أيتها المرأة بشيء من مال ، ويكره أن يزيد على المهر إلا إذا كان ذلك ناشئا عن نشوز منها ومخالفة للزوج فلا كراهة إذن فِي الزيادة على المهر. وقد جاء الواقع مطابقاً لما شرع الله عندما وقعت حادثة"جميلة"أخت"عبد الله ابن أبي"حينما كانت زوجة لعبد الله بن قيس ، فقد ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت:"أنا لا أتهمه فِي دينه ولا خلقه ولكن لا أحب الكفر فِي الإسلام"وهي تقصد أنها عاشت معه وهي تبغضه ، لذلك لن تؤدي حقه وذلك هو كفر العشير أي إنكار حق الزوج وترك طاعته.