وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ إنْ كَلَّمْت السُّلْطَانَ، أَوْ إنْ سَافَرْت، وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ فَيَكُونَ قَدْ قَالَ لَهَا نَظِيرَ مَا قَالَتْ، وَلَا يَضُرُّهُ زِيَادَةُ الشَّرْطِ، وَهَذِهِ الْحِيلَةُ أَقْرَبُ مِنْ الَّتِي قَبْلَهَا، وَلَكِنْ فِي كَوْنِ الْمُتَكَلِّمِ بِهَا رَادًّا أَوْ مُجِيبًا نَظَرٌ لَا يَخْفَى؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ وَإِنْ تَضَمَّنَ زِيَادَةً فِي الْكَلَامِ لَكِنَّهُ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ نَظِيرًا لِكَلَامِهَا، وَمِثْلًا لَهُ، وَهُوَ إنَّمَا حَلَفَ أَنْ يَقُولَ لَهَا مِثْلَ مَا قَالَتْ لَهُ، وَالْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ لَيْسَتْ مِثْلَ الْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ، بَلْ الشَّرْطُ يَدْخُلُ عَلَى الْكَلَامِ التَّامِّ فَيُصَيِّرُهُ نَاقِصًا يَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ، وَيَدْخُلُ عَلَى الْخَبَرِ فَيَقْلِبُهُ إنْشَاءً، وَيُغَيِّرُ صُورَةَ الْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ وَمَعْنَاهَا، وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِغَيْرِهِ:"لَعَنَك اللَّهُ"، فَقَالَ لَهُ:"لَعَنَك اللَّهُ إنْ بَدَّلْت دِينَك أَوْ ارْتَدَدْت عَنْ الْإِسْلَامِ"لَمْ يَكُنْ سَابًّا لَهُ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ:"يَا زَانٍ"فَقَالَ:"بَلْ أَنْتَ زَانٍ إنْ وَطِئْت فَرْجًا حَرَامًا"لَمْ يَكُنْ الثَّانِي قَاذِفًا لَهُ. وَلَوْ بَذَلَتْ لَهُ مَالًا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت السُّلْطَانَ، لَمْ يَسْتَحِقَّ الْمَالَ، وَلَمْ يَكُنْ مُطَلِّقًا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: لَا حَاجَةَ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَالْحَالِفُ لَمْ تَدْخُلْ هَذِهِ الصُّورَةُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ، وَإِنْ دَخَلَتْ فَهِيَ مِنْ الْمَخْصُوصِ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ وَالْعَقْلِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ هَذِهِ الصُّورَةَ قَطْعًا، وَلَا خَطَرَتْ بِبَالِهِ، وَلَا تَنَاوَلَهَا لَفْظُهُ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا تَنَاوَلَ لَفْظُهُ الْقَوْلَ الَّذِي يَصِحُّ