وَإِنْ قَالَ بِلِسَانِهِ:"لَا أُوَرِّي وَلَا أُكَنِّي"وَالتَّوْرِيَةُ وَالْكِنَايَةُ فِي قَلْبِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ:"لَا أَسْتَثْنِي"بِلِسَانِهِ وَمِنْ نِيَّتِهِ الِاسْتِثْنَاءُ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فَإِنَّهُ يَنْفَعُهُ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَنْوِ الِاسْتِثْنَاءَ ثُمَّ عَزَمَ عَلَيْهِ وَاسْتَثْنَى نَفَعَهُ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا بِوَجْهٍ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ، كَقَوْلِ الْمَلَكِ لِسُلَيْمَانَ: قُلْ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إلَّا الْإِذْخِرَ» بَعْدَ أَنْ ذَكَّرَهُ بِهِ الْعَبَّاسُ، وَقَوْلِهِ: «إنْ شَاءَ اللَّهُ» بَعْدَ أَنْ قَالَ: «لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» ثُمَّ قَالَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ وَسُكُوتِهِ: «إنْ شَاءَ اللَّهُ» .
وَالْقُرْآنُ صَرِيحٌ فِي نَفْعِ الِاسْتِثْنَاءِ إذَا نَسِيَهُ وَلَمْ يَنْوِهِ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ وَلَا أَثْنَاءَهُ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف: 23 - 24] ، وَهَذَا إمَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِالِاسْتِثْنَاءِ إذَا نَسِيَهُ كَمَا فَسَّرَهُ بِهِ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ، أَوْ يَعُمَّهُ وَيَعُمَّ غَيْرَهُ وَهُوَ الصَّوَابُ؛ فَأَمَّا أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُ الِاسْتِثْنَاءَ الَّذِي سِيقَ الْكَلَامُ لِأَجْلِهِ وَيَرُدَّ إلَى غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ، وَلِأَنَّ الْكَلَامَ الْوَاحِدَ لَا يُعْتَبَرُ فِي صِحَّتِهِ نِيَّةُ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنْ جُمَلِهِ وَبَعْضٍ مِنْ أَبْعَاضِهِ؛ فَالنَّصُّ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي نَفْعَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِنْ خَطَر لَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْكَلَامِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ.
[الْمِثَالُ الثَّالِثَ عَشَرَ الْحِيلَةُ فِي التَّخَلُّصِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِهِ]
حِيلَةٌ فِي التَّخَلُّصِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِهِ]
الْمِثَالُ الثَّالِثَ عَشَرَ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ:"الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَا تَقُولِينَ لِي شَيْئًا إلَّا قُلْت لَك مِثْلَهُ"فَقَالَتْ لَهُ: أَنْتَ طَالِقٌ ثَلَاثًا.