وهذا الرجاء من الله , معناه القطع بتحققه . والمؤمنون الذين سمعوه لا بد قد أيقنوا به , ولقد وقع بعد هذا بوقت قصير أن فتحت مكة , وأن أسلمت قريش , وأن وقف الجميع تحت لواء واحد , وأن طويت الثارات والمواجد , وأن عاد الجميع إخوة مؤتلفي القلوب .
(والله قدير) . . يفعل ما يريد بلا معقب .
(والله غفور رحيم) . . يغفر ما سلف من الشرك والذنوب . .
وإلى أن يتحقق وعد الله الذي دل عليه لفظ الرجاء رخص الله لهم في موادة من لم يقاتلوهم في الدين ولم يخرجوهم من ديارهم . ورفع عنهم الحرج في أن يبروهم , وأن يتحروا العدل في معاملاتهم معهم فلا يبخسونهم من حقوقهم شيئا . ولكنه نهى أشد النهي عن الولاء لمن قاتلوهم في الدين وأخرجوهم من ديارهم وساعدوا على إخراجهم . وحكم على الذين يتولونهم بأنهم هم الظالمون . . ومن معاني الظلم الشرك بالرجوع إلى قوله تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم) . . وهو تهديد رهيب يجزع منه المؤمن , ويتقي أن يدخل في مدلوله المخيف !
وتلك القاعدة في معاملة غير المسلمين هي أعدل القواعد التي تتفق مع طبيعة هذا الدين ووجهته ونظرته إلى الحياة الإنسانية , بل نظرته الكلية لهذا الوجود , الصادر عن إله واحد , المتجه إلى إله واحد , المتعاون في تصميمه اللدني وتقديره الأزلي , من وراء كل اختلاف وتنويع .