ومرد هذا الاختلاف في التعليل أن الأمر يرد فيه نص معصوم، وإنما فعله عمر رضى الله عنه، بناء على اجتهاد مصلحي، اقتضته السياسة الشرعية. حتى لو أخذنا بما رجحه أبو عبيد من أن فعل عمر بناء على صلح صالحهم عليه. فإن بنود الصلح عادة تُبنى على مصالح واعتبارات زمنية وبيئية قد تتغير.
وأرجح التعليلات عندي من جهة النظر، ما ذكره الدكتور عبد الكريم زيدان: أن السبب في هذا التضعيف هو أن الذمي لا يؤخذ من أمواله شيء سوى ما يؤخذ من أمواله التجارية التي ينتقل بها من بلد إلى بلد. أما أمواله التجارية التي في بلده، وأمواله الباطنة كالذهب والفضة، وزروعه وسوائمه فلا يؤخذ منها شيء بخلاف المسلم، إذ يؤخذ منه زكاة هذه الأموال جميعًا وعلى هذا تكون التكاليف المالية على المسلم أكثر منها على الذمي. ولم يمكن جعل ضريبة المسلم كضريبة الذمي؛ لأن المأخوذ من المسلم زكاة حقيقية، وهذا هو مقدارها، فلا يمكن أن يُزاد عليه (أي لأنها عبادة) .
وقد يقال: إن الذمي تؤخذ منه الجزية، كما يؤخذ منه خراج أرضه، مما يجعل التكاليف المفروضة عليه مساوية لما على المسلم!
والجواب: أن الخراج لا يختص به الذمي إذا أسلم بقي الخراج مفروضًا عليه، وأن المسلم إذا كانت تحت يده أرض خراجية لزمه الخراج. أما الجزية فإنها -وإن كانت خاصة بالذمي- إلا أن مقدارها زهيد جدًا، ولا تجب على كل ذمي، وإنما على القادر على حمل السلاح، وتسقط عنه إذا دعي إلى الخدمة العسكرية. (أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام ص 186) .
وعلى هذا لو تغير الوضع بالنظر إلى الذمي، وأصبح يؤخذ منه ضرائب على أمواله الظاهرة والباطنة (من أنعام وزروع وثمار ونقود وعروض وتجارة) مساوية للزكاة التي تؤخذ من المسلم، فيمكن حينئذ أن يؤخذ من التاجر الذمي مثل ما يؤخذ من المسلم ولا حرج.
التزام أحكام القانون الإسلامي
والواجب الثاني على أهل الذمة: أن يلتزموا أحكام الإسلام، التي تُطبق على المسلمين لأنهم بمقتضى الذمة أصبحوا يحملون جنسية الدولة الإسلامية، فعليهم أن يتقيدوا بقوانينها التي لا تمس عقائدهم وحريتهم الدينية.