ومن مفاخر النظام الإسلامي ما منحه من سُلطة واستقلال للقضاء، ففي رحاب القضاء الإسلامي الحق، يجد المظلوم والمغبون -أيّاً كان دينه وجنسه- الضمان والأمان، لينتصف من ظالمه، ويأخذ حقه من غاصبه، ولو كان هو أمير المؤمنين بهيبته وسلطانه.
وفي تاريخ القضاء الإسلامي أمثلة ووقائع كثيرة وقف فيها السلطان أو الخليفة أمام القاضي مُدَّعيًا أو مُدَّعىً عليه، وفي كثير منها كان الحكم على الخليفة أو السلطان لصالح فرد من أفراد الشعب، لا حول له ولا طول، ونكتفي هنا بمثال واحد له دلالته الواضحة في موضوعنا.
سقطت درع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فوجدها عند رجل نصراني فاختصما إلى القاضي شريح. قال علي: الدرع درعي، ولم أبع ولم أهب.فسأل القاضي ذلك النصراني في ما يقول أمير المؤمنين، فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب.
فالتفت شريح إلى علي يسأله: يا أمير المؤمنين، هل لك من بيِّنة؟ فضحك علي وقال: أصاب شريح، ما لي بيِّنة. وقضى شريح للنصراني بالدرع، لأنه صاحب اليد عليها، ولم تقم بينة عليّ بخلاف ذلك. فأخذها هذا الرجل ومضى، ولم يمش خطوات، حتى عاد يقول: أما إني أشهد أن هذه أحكام أنبياء! أمير المؤمنين يدينني إلى قاضيه فيقضي لي عليه! أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، الدرع درعك يا أمير المؤمنين، اتبعت الجيش وأنت منطلق من صفين، فخرجت من بعيرك الأورق.
فقال علي رضي الله عنه: أما إذ أسلمت فهي لك! (البداية والنهاية لابن كثير ج ـ 8 ص 4 - 5) .
وهي واقعة تغني عن كل تعليق.
باب الثاني: واجبات أهل الذمة
الجزية والخراج
تلك هي حقوق المواطنين من غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، وهذه هي ضمانات الوفاء بتلك الحقوق. فما هي الواجبات التي فرضها عليهم الإسلام في مقابل التمتع بتلك الحقوق؟، فمن المقرر أن كل حق يقابله واجب.
والجواب: أن هؤلاء المواطنين (أهل الذمة) تنحصر واجباتهم في أمور معدودة، هي:
1.أداء الجزية والخراج والضريبة التجارية، وهذه هي واجباتهم المالية.
2.التزام أحكام القانون الإسلامي في المعاملات المدنية ونحوها.