أنه تعالى أظهر الفرق في هذه الآية بين من أراد الآخرة وبين من أراد الدنيا من وجوه الأول: أنه قدم مريد حرث الآخرة في الذكر على مريد حرث الدنيا ، وذلك يدل على التفضيل ، لأنه وصفه بكونه آخرة ثم قدمه في الذكر تنبيهاً على قوله"نحن لآخرون السابقون"الثاني: أنه قال في مريد حرث الآخرة {نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} وقال في مريد حرث الدينا {نُؤْتِهِ مِنْهَا} وكلمة من للتبعيض ، فالمعنى أنه يعطيه بعض ما يطلبه ولا يؤتين كله ، وقال في سورة بني إسرائيل {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ} [الإسراء: 18] وأقول البرهان العقلي مساعد على البابين ، وذلك لأن كل من عمل للآخرة وواظب على ذلك العمل ، فكثرة الأعمال سبب لحصول الملكات ، فكل من كانت مواظبته على تلك الأعمال أكثر كان ميل قلبه إلى طلب الآخرة أكثر ، وكلما كان الأمر كذلك كان الابتهاج أعظم والسعادات أكثر ، وذلك هو المراد بقوله {نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} وأما طالب الدنيا فكلما كانت مواظبته على أعمال ذلك الطلب أكثر كانت رغبته في الفوز بالدنيا أكثر وميله إليها أشد ، وإذا كان الميل أبداً في التزايد ، وكان حصول المطلوب باقياً على حالة واحدة كان الحرمان لازماً لامحالة الثالث: أنه تعالى قال في طالب حرث الآخرة {نزد لَهُ فِي حَرْثِهِ} ولم يذكر أنه تعالى يعطيه الدنيا أم لا ، بل بقي الكلام ساكتاً عنه نفياً وإثباتاً ، وأما طالب حرث الدنيا فإنه تعالى بيّن أنه لا يعطيه شيئاً من نصيب الآخرة على التنصيص ، وهذا يدل على التفاوت العظيم كأنه يقول الآخرة أصل والدنيا تبع ، فواجد الأصل يكون واجداً للتبع بقدر الحاجة ، إلا أنه لم يذكر ذلك تنبيهاً على أن الدنيا أخس من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة والرابع: أنه تعالى بيّن أن طالب الآخرة يزاد في مطلوبه ، وبيّن أن طالب الدنيا يعطي بعض مطلوبه من الدنيا ، وأما في الآخرة فإنه لا يحصل له نصيب ألبتة ، فبيّن