قال ابن عثيمين: السلف أخذوا بهذا الحديث ولم يصرفوه عن ظاهره بتحريف يتخبطون فيه بأهوائهم، وإنما فسروه بما فسره به المتكلم به، فقوله - تعالى - في الحديث القدسي:"مرضت، واستطعمتك، واستسقيتك"بينه الله - تعالى - بنفسه حيث قال:"أما علمت أن عبدي فلانًا مرض، وأنه استطعمك عبدي فلان، واستسقاك عبدي فلان"وهو صريح في أن المراد به مرض عبد من عباد الله، واستطعام عبد من عباد الله، واستسقاء عبد من عباد الله، والذي فسره بذلك هو الله المتكلم به، وهو أعلم بمراده، فإذا فسرنا المرض المضاف إلى الله، والاستطعام المضاف إليه، والاستسقاء المضاف إليه، بمرض العبد، واستطعامه، واستسقائه - لم يكن في ذلك صرف للكلام عن ظاهره؛ لأن ذلك تفسير المتكلم به، فهو كما لو تكلم بهذا المعنى ابتداءً.
الوجه الرابع: إن إضافة المرض، والإطعام، والاستسقاء لله -عَزَّ وَجَلَّ- إنما هي على الترغيب.
وقد أضاف الله - تعالى - مرض عبده واستطعامه واستسقائه إلى نفسه للترغيب والحث كقوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245] .
قال ابن تيمية: وذلك لأن المحب يتفق هو محبوبه بحيث يرضى أحدهما بما يرضاه الآخر، ويأمر بما يأمر به، ويبغض ما يبغضه، ويكره ما يكرهه، وينهى عما ينهى عنه، وهؤلاء هم الذين يرضى الحق لرضاهم، ويغضب لغضبهم، والكامل المطلق في هؤلاء محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا قال - تعالى - فيه: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} وقال: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ} ، وقال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} .
قال ابن القيم: فتأمل قوله في الإطعام والإسقاء:"لوجدت ذلك عندي"، وقوله: في العيادة:"لوجدتني عنده"ولم يقل: لوجدت ذلك عندي إيذانًا بقربه من المريض، وأنه عنده لذله، وخضوعه، وانكسار قلبه، وافتقاره إلى ربه، فأوجب ذلك وجود الله عنده، هذا وهو فوق سماواته، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وهو عند عبده.
الوجه الخامس: بطلان قول من قال بالحلول والاتحاد.