ويعترض عليه بأن ذلك في أصول الدين كالتوحيد ونحوه؛ بدليل قوله: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} (13) [الشورى: 13] وهذا تفسير لما شرعه لهم وأخبر أنه يكبر على المشركين، وإنما كبر على المشركين التوحيد من الأصول لا من الفروع؛ فإذن شرع من قبلنا شرع لنا في التوحيد ونحوه، وأما في الفروع فهو محل خلاف، ولا دليل في الآية عليه.
{يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ} [الشورى: 13] يحتج به الجمهور [لتعليق الاجتباء] بالمشيئة.
{وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} (13) [الشورى: 13] يحتج به الفريقان؛ الجمهور لإضافة
الهداية إليه، والمعتزلة لترتيب الهداية على الإنابة المضافة إليهم.
وجوابه: أنها أضيفت إليهم كسبا وهي له خلق، فإذن إنما يهدي إليه من جعله منيبا بخلق الإنابة فيه.
{فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاِسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (15) [الشورى: 15] فيه إيجاب الإيمان بجميع الكتب المنزلة لا المبدلة؛ لأن ما أمر به النبي صلّى الله عليه وسلّم فنحن مأمورون به إلا ما خصه دليل، ولقوله - عز وجل: {وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (153) [الأنعام: