وقوله - تعالى -: (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) ، دليل على
أن التشاور طاعة للَّه ، واقتراب إليه ، إذ قد جعله - جل وتعالى - في
جملة ما مدح به القوم ، وكل شيء حمله الاستجابة له ، والصلاة ،
والنفقة ، وكذلك الانتصار بعد الظلم ممدوح ، إذا أراد به المنتصر إعزاز
دين الله ، لقوله: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39) .
فإذا انتصر المظلوم لنفسه فانتصاره مباح ، وعفوه أفضل ، لقوله:
(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)
إلى قوله: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(43) .
وقد يدخل في قوله: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ(41)
إباحة حبس المغصوب عن غاصبه بقدر ما غصب ، إذا قدر
عليه ، وقد بينته في سورة المائدة.
وقوله: (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) ، دليل على أن إدخال
"اللام"في خبر"إن"، وإسقاطه جائز فصيح ، ألا ترى أنه قد
أسقطها في سورة لقمان ، عند الإخبار عنه في وصية ابنه (إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)
وأثبتها ها هنا.
ذكر المعتزلة:
ودوله - تعالى -: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ(46) ،
حجة على المعتزلة والقدرية في الإخبار بالإضلال عن نفسه لهم ، ونفى السبيل
بذلك عنهم ، وأمرهم على إثر ذلك بالاستجابة ، فهل ذلك - ويحهم -
إلا نص قولنا ، وضد قولهم ، ومعرفة كيفيته عنا مغيب ، وهو عدل
لا ريب فيه ، وإن جهلناه.
ذكر أن القرآن كلام الله:
وقوله: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ)
دليل على أن الله متكلم وإذا كان متكلمًا ، والقرآن كلامه ، فقد ثبت أنه غير مخلوق.
وليس للقوم متعلق في ذكر الحجاب ، لأنه يعني بذلك في الدنيا ،