وقد حكى أبو سليمان الدمشقي أنه بعث إلى أوريا فأقدمه من غَزاته ، فأدناه وأكرمه جدّاً ، إلى أن قال له يوماً: أنْزِلْ لي عن أمرأتك ، وانظُر أيَّ امرأة شئتَ في بني إسرائيل أزوِّجكها ، أو أيَّ أَمَةٍ شئتَ أبتاعُها لكَ ، فقال: لا أُريد بامرأتي بديلاً ، فلمّا لم يُجِبْه إِلى ما سأل أمَرَه أن يَرْجِع إلى غَزاته.
والثاني: أنه تمنّى تلك المرأة حلالاً ، وحدَّث نفسه بذلك ، فاتفق غزوُ أوريا وهلاكُه من غير أن يسعى في سبب قتله ، ولا في تعريضه للهلاك ، فلمّا بلغة قتلُه ، لم يَجْزَعْ عليه كما جَزِع على غيره مِنْ جُنْده ، ثُمَّ تزوَّج أمرأتَه ، فعُوتب على ذلك ، وذُنوبُ الأنبياء عليهم السلام وإن صَغُرَتْ ، فهي عظيمةٌ عند الله عز وجل.
والثالث: أنه لمّا وقع بصرُه عليها ، أشبع النَّظر إليها حتى عَلِقَتْ بقلبه.
والرابع: أن أوريا كان قد خطب تلك المرأة ، فخطبها داودُ مع عِلْمه بأن أوريا قد خطبها فتزوَّجَها ، فاغتمَّ أوريا ، وعاتب اللهُ تعالى داوَُدَ ، إذْ لم يترُكْها لخاطبها الأوَّل ، واختار القاضي أبو يعلى هذا القول ، واستدل عليه بقوله {وعَزَّني في الخِطاب} قال: فدلَّ هذا على أن الكلام إنما كان بينهما في الخِطْبة ، ولم يكن قد تقدَّم تزوُّج الآخَر ، فعُوتب داوُدُ عليه السلام لشيئين ينبغي للأنبياء التَّنَزُّه عنهم:
أحدهما: خِطْبته على خِطْبته غيره.
والثاني: إِظهار الحِرْص على التزويج مع كثرة نسائه ، ولم يعتقد ذلك معصية ، فعاتبه الله تعالى عليها ؛ قال: فأما مارُوي أنه نظر إِلى المرأة فهَويَها وقدَّم زَوْجَها للقتل ، فإنه وجهٌ لا يجوز على الأنبياء ، لأن الأنبياء لا يأتون المعاصي مع العِلْم بها.
قال الزجاج: إنما قال {الخَصْمِ} بلفظ الواحد ، وقال {تَسَوَّرُوا المِحْرابَ} بلفظ الجماعة ، لأن قولك: خصم ، يَصْلحُ للواحد والاثنين والجماعة ، والذكر والأنثى.