وأخرج عبد بن حميد عن أبي خالد البجلي رضي الله عنه قال: بلغني أن سليمان عليه السلام ركب يوماً في موكبه ، فوضع سريره فقعد عليه ، وألقيت كراسي يميناً وشمالاً ، فقعد الناس عليها يلونه ، والجن وراءهم ، ومردة الجن والشياطين وراء الجن. فأرسل إلى الطير ، فأظلته بأجنحتها ، وقال للريح: احملينا يريد بعض مسيره ، فاحتملته الريح وهو على سريره ، والناس على كراسيهم يحدثهم ويحدثونه ، لا يرتفع كرسي ولا يتضع ، والطير تظلهم.
وكان موكب سليمان يسمع من مكان بعيد ، ورجل من بني إسرائيل آخذ مسحاته في زرع له ، قائماً يهيئه إذ سمع الصوت فقال: إن هذا الصوت ما هو إلا لموكب سليمان وجنوده ، فحان من سليمان التفاتة وهو على سريره ، فإذا هو برجل يشتد يبادر الطريق فقال عليه السلام في نفسه: إن هذا الرجل ملهوف ، أو طالب حاجة ، فقال للريح حين وقفت به: قفي.. فوقفت به وبجنود حتى انتهى إليه الرجل وهو منبهر ، فتركه سليمان حتى ذهب بهره ، ثم أقبل عليه فقال ألك حاجة؟ وقد وقف عليه الخلق فقال: الحاجة جاءت بي إلى هذا المكان يا رسول الله.
إني رأيت الله أعطاك ملكاً لم يعطه أحداً قبلك ولا أراه يعطيه أحداً بعدك ، فكيف تجد ما مضى من ملكك هذه الساعة؟ قال: أخبرك عن ذاك إني كنت نائماً فرأيت رؤيا ، ثم تنبهت فعبرتها قال: ليس إلا ذاك قال: فأخبرني كيف تجد ما بقي من ملكك الساعة؟ قال: تسألني عن شيء لم أره قال: فإنما هي هذه الساعة ، ثم انصرف عنه مولياً.
فجلس سليمان عليه السلام ينظر في قفاه ، ويتفكر فيما قاله ، ثم قال للريح إمضي بنا ، فمضت به قال الله {رخاء حيث أصاب} قال: الرخاء التي ليست بالعاصف ، ولا باللينة وسطاً ، قال الله تعالى {غدوها شهر ورواحها شهر} [سبأ: 12] ليست بالعاصف التي تؤذيه ، ولا باللينة التي تشق عليه.