بيد أنا نرى أن ظن داود في الخصمين وقد دخلا عليه في مثل هذا الوقت ومن غير الباب لإرادة الاغتيال - ظن له ما يؤيده من الدلائل وشواهد الحال ، فلا يمكن أن يكون إثما حتى يطلب من ربه المغفرة عليه - إلى أن هذه الخصومة التي ترافعا إليه فيها وطلبا منه الحكومة - ليست من معضلات المشاكل التي يحتاج فيها إلى حكم داود ، إلى أنه قد كان لهما مندوحة منها بأن ينتظرا إلى اليوم التالي حتى يجلس للقضاء ولا يضيع عليهما حق إذا هما تأخرا يوما آخر ، لأن هذه الواقعة إن كانت على الوضع الذي قالاه ، فليس فيها ما يدعو إلى المبادرة والتقاضي فِي غير موعد القضاء والوصول إلى القاضي على تلك الحال المريبة - فلا بد أنهما قد كانا يريدان غرضا آخر أخفياه غير ما كان قد ظهر منهما ، ذلك الغرض هو إرادة الاغتيال ، وما منعهما من تنفيذه إلا يقظة الحراس والخدم والحشم وإحاطته بهما ، فاخترعا سببا لمجيئهما إليه وهو مجيئها للاستفتاء فيما خفى عليهما ، ولأجله تسوّرا المحراب ، ومما يرشد إلى هذه النية المبيّتة نية الاغتيال أنّ تهجّم الناس على البيوت للتقاضى ليس بالمألوف ولا المعروف في أي عصر ، إلى أن هذه الفتوى لا تحتاج إلى مثل داود ، فهي فتوى جاءت بنت ساعتها لم يفكرا فيها من قبل ، والذي ألجأهما إليها يقظة الحرس وظنهما أنهما هالكان لا محالة إذا لم يذكرا سببا يسوّغ لهما دخول القصر في ذلك الحين ، ومما يؤيد هذا أن اغتيال الأنبياء كان معروفا في بني إسرائيل فقد قتلوا أشعيا وزكريا كما يرشد إلى ذلك قوله: « وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ »
وحين علم داود غرضهما وتظاهرت عليه الأدلة همّ أن ينتقم منهما ويجازى السيئة بمثلها « وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » ولكنه رأى أن مقام النبوة أمثل به الصفح والعفو كما قال: