قال ابن الأعرابي: وكان محراب داود من الامتناع بالارتفاع بحيث لا يرتقي إليه آدمي بحيلة ، وجملة: {قَالُواْ لاَ تَخَفْ} مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل: فماذا قالوا لداود لما فزع منهم؟ وارتفاع {خَصْمَانِ} ، على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي: نحن خصمان ، وجاء فيما سبق بلفظ الجمع ، وهنا بلفظ التثنية ، لما ذكرنا من أن لفظ الخصم يحتمل المفرد ، والمثنى ، والمجموع ، فالكل جائز.
قال الخليل: هو كما تقول: نحن فعلنا كذا: إذا كنتما اثنين.
وقال الكسائي: جمع لما كان خبراً ، فلما انقضى الخبر ، وجاءت المخاطبة أخبر الاثنان عن أنفسهما ، فقالا: خصمان ، وقوله: {بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ} هو على سبيل الفرض ، والتقدير ، وعلى سبيل التعريض ؛ لأن من المعلوم أن الملكين لا يبغيان.
ثم طلبا منه أن يحكم بينهما بالحق ، ونهياه عن الجور ، فقالا: {فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ} أي: لا تجر في حكمك ، يقال: شط الرجل ، وأشط شططاً ، وإشطاطاً: إذا جار في حكمه.
قال أبو عبيد: شططت عليه ، وأشططت أي: جرت.
وقال الأخفش: معناه: لا تسرف ، وقيل: لا تفرط ، وقيل: لا تمل.
والمعنى متقارب ، والأصل فيه البعد ، من شطت الدار: إذا بعدت.
قال أبو عمرو: الشطط مجاوزة القدر في كل شيء {واهدنا إلى سَوَاء الصراط} سواء الصراط: وسطه.
والمعنى: أرشدنا إلى الحق ، واحملنا عليه.
ثم لما أخبراه عن الخصومة إجمالاً شرعاً في تفصيلهما ، وشرحها ، فقالا: {إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} المراد بالأخوة هنا: أخوة الدين ، أو الصحبة ، والنعجة هي: الأنثى من الضأن ، وقد يقال لبقر الوحش: نعجة {وَلِى نَعْجَةٌ واحدة} قال الواحدي: النعجة البقرة الوحشية ، والعرب تكني عن المرأة بها ، وتشبه النساء بالنعاج من البقر.
قرأ الجمهور: {تِسْعٌ وَتِسْعُونَ} بكسر التاء الفوقية.
وقرأ الحسن ، وزيد بن علي بفتحها.