وقال ابن عباس ، ومجاهد ، والسدي: القضاء بين الناس بالحق وإصابته وفهمه.
وقال الشعبي: كلمة أما بعد ، لأنه أول من تكلم بها وفصل بين كلامين.
قال الزمخشري: لأنه يفتتح إذا تكلم في الأمر الذي له شأن بذكر الله وتحميده ، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق إليه ، فصل بينه وبين ذكر الله بقوله: أما بعد.
ويجوز أن يراد بالخطاب: القصد الذي ليس له فيه اختصار مخل ، ولا إشباع ممل ؛ ومنه ما جاء في صفة كلام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فصل لا نذر ولا هذر. انتهى.
ولما كان تعالى قد كمل نفس نبيه داود بالحكمة ، أردفه ببيان كمال خلقه في النطق والعبادة فقال: {وفصل الخطاب} .
{وهل أتاك نبؤ الخصم} : لما أنثى تعالى على داود عليه السلام بما أثنى ، ذكر قصته هذه ، ليعلم أن مثل قصته لا يقدح في الثناء عليه والتعظيم لقدره ، وإن تضمنت استغفاره ربه ، وليس في الاستغفار ما يشعر بارتكاب أمر يستغفر منه ، وما زال الاستغفار شعار الأنبياء المشهود لهم بالعصمة.
ومجيء مثل هذا الاستفهام إنما يكون لغرابة ما يجيء معه من القصص ، كقوله: {وهل أتاك حديث موسى} فيتهيأ المخاطب بهذا الاستفهام لما يأتي بعده ويصغي لذلك.
وذكر المفسرون في هذه القصة أشياء لا تناسب مناصب الأنبياء ، ضربنا عن ذكرها صفحاً ، وتكلمنا على ألفاظ الآية.
والنبأ: الخبر ، فالخبر أصله مصدر ، فلذلك تصلح للمفرد والمذكر وفروعهما ، وهنا جاء للجمع ، ولذلك قال: {إذ تسورو} : إذ دخلوا ، كما قال الشاعر:
وخصم يعدون الدخول كأنهم ...
قروم غيارى كل أزهر مصعب
والظاهر أنهم كانوا جماعة ، فلذلك أتى بضمير الجمع.
فإن كان المتحاكمان اثنين ، فيكون قد جاء معهم غيرهم على جهة المعاضدة أو المؤانسة ، ولا خلاف أنهم كانوا ملائكة ، كذا قال بعضهم.
وقيل: كانا أخوين من بني إسرائيل لأب وأم ، والأول أشهر.