ومعنى السجود أن داود سجد خاضعاً لربه ، معترفاً بذنبه ، تائباً من خطيئته ؛ فإذا سجد أحد فيها فليسجد بهذه النية ، فلعل الله أن يغفر له بحرمة داود الذي اتبعه ، وسواء قلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا أم لا؟ فإن هذا أمر مشروع في كل أمة لكل أحد.
والله أعلم.
الحادية والعشرون: قال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: قوله: {وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} فيه دلالة على أن السجود للشكر مفرداً لا يجوز ؛ لأنه ذكر معه الركوع ؛ وإنما الذي يجوز أن يأتي بركعتين شكراً فأما سجدة مفردة فلا ؛ وذلك أن البشارات كانت تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده ، فلم ينقل عن أحد منهم أنه سجد شكراً ، ولو كان ذلك مفعولاً لهم لنقل نقلاً متظاهراً لحاجة العامة إلى جوازه وكونه قربة.
قلت: وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن أبي أوفى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى يوم بُشِّر برأس أبي جهل ركعتين.
وخرّج من حديث أبي بكرة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يسرّه أو يسّر به خر ساجداً شكراً لله.
وهذا قول الشافعي وغيره.
الثانية والعشرون: روى الترمذي وغيره واللفظ للغير: أن رجلاً من الأنصار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل يستتر بشجرة وهو يقرأ: {ص والقرآن ذِي الذكر} فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة ، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً ، وارزقني بها شكراً.
قلت: خرّج ابن ماجه في سننه عن ابن عباس قال: كنت عند النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فأتاه رجل فقال: إني رأيت البارحة فيما يرى النائم ، كأني أصلي إلى أصل شجرة ، فقرأت السجدة (فسجدت) فسجدتْ الشجرة لسجودي ، فسمعتها تقول: اللهم احطط بها عني وزراً ، واكتب لي بها أجراً ، واجعلها لي عندك ذخراً.