وأما الخصوصية له: فإن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - جعل بكل من الرسل خصوصية في شيء، لم يجعل مثل تلك الخصوصية لآخر في ذلك الشيء بعينه بلطفه، وخصوصية داود: ما ذكر من تسخير ما ذكر له من الجبال والطير والتسبيح معه، وما ذكر من إلانة الحديد له وغير ذلك من الأشياء، وخصوصية سليمان ما ذكر من تسخير الرياح له وحملها إياه حيث شاء إلى ما شاء مسيرة شهر بغدوة ومسيرة شهر بعشية، حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) ، وما ذكر من فهم نطق الطير والنطق معه وفهمه تسبيحها ونحو ذلك كثير، ومثل هذا ما قد جعل لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث ذكر أنه أخذ أحجارا فسبحن في يده حتى سمع ذلك من حضره، وما ذكر أن أصابعه يسبحن ونحوه كثير، فلكل منهم خصوصية في شيء ليست تلك لغيره، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ...(19)
أي: مجموعة مسخرة، أي: سخرت له الطير أيضاً.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: كل له مطيع.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كل له مسبح، فإن كان قوله - عَزَّ وَجَلَّ - . (كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) ، أي: مطيع، فهو يحتمل مطيع لداود، وإن كان الأواب هو المسبح، فهو لا يحتمل لداود، لكن لله تبارك وتعالى، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ) . جائز أن يكون لا على إرادة حقيقة العشي والإشراق، ولكن على إرادة التسبيح معه في كل وقت؛ فيكون العشي كناية عن الليل والإشراق كناية عن النهار، يخبر أنهن يسبحن في كل وقت من الليل والنهار، واللَّه أعلم.