وقد حصل تسجيل التكذيب عليهم بفنون من تقوية ذلك التسجيل وهي إبهام مفعول {كَذَّبَتْ} في قوله: {كذَّبتْ قبلهم} ثم تفصيله بقوله: {إلاَّ كذَّبَ الرُّسُلَ} وما في قوله: {إن كلٌّ إلاَّ كذَّبَ الرُّسُلَ} من الحصر ، وما في تأكيده بالمسند الفعلي في قوله: {إلاَّ كذَّبَ} ، وما في جعل المكذَّب به جميعَ الرسل ، فأنتج ذلك التسجيلُ استحقاقهم عذاب الله في قوله: {فَحَقَّ عِقَابِ} ، أي عقابي ، فحذفت ياء المتكلم للرعاية على الفاصلة وأبقيت الكسرة في حالة الوصل.
وحق: تحقق ، أي كان حقّاً ، لأنه اقتضاه عظيم جُرمهم.
والعقاب: هو ما حلّ بكل أُمة منهم من العذاب وهو الغرق والتمزيق بالريح ، والغرقُ أيضاً ، والصيحة ، والخسف ، وعذاب يوم الظِّلة.
وفي هذا تعريض بالتهديد لمشركي قريش بعذابٍ مثل عذاب أولئك لاتحادهم في موجِبِه.
وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (15)
لما أشعر قوله: {فحَقَّ عِقَابِ} [ص: 14] بتهديد مشركي قريش بعذاب ينتظرهم جَرْياً على سنة الله في جزاء المكذبين رسلَه ، عطف على جملة الإِخبار عن حلول العذاب بالأحزاب السابقين جملةُ تَوعد بعذاب الذين ماثلوهم في التكذيب.
و {هؤلاء} إشارة إلى كفار قريش لأن تجدد دعوتهم ووعيدهم وتكذيبهم يوماً فيوماً جعلهم كالحاضرين فكانت الإِشارة مفهوماً منها أنها إليهم ، وقد تتبعتُ اصطلاح القرآن فوجدتُه إذا استعمل {هؤلاء} ولم يكن معه مشار إليه مذكور: أنه يريد به المشركين من أهل مكة كما نبهتُ عليه فيما مضى غير مرة.
و {يَنظُرُ} مشتق من النظر بمعنى الانتظار قال تعالى: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة} [الأنعام: 158] ، أي ما ينتظر المشركون إلا صيحة واحدة ، وهذا كقوله تعالى: {فهل ينتظرون إلاّ مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} [يونس: 102] .