[] أنه كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس محضا ، وحكى الزهري خلافا في أنه هل كان يجعل الكعبة خلف ظهره ، أو يجعلها بينه وبين بيت المقدس ؟
قال الحافظ ابن حجر: وعلى الأول فكان يجعل الميزاب خلفه ، وعلى الثاني كان يصلي بين الركنين اليمانيين ، . وزعم ناس أنه لم يزل يستقبل الكعبة بمكة ، فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ثم نسخ ، وحمل ابن عبد البر هذا على القول الثاني ، ويؤيد حمله على ظاهره إمامة جبريل ، ففي بعض طرقه أن ذلك عند باب البيت.
قوله: «أنكروا ذلك» ، يعني اليهود ، فنزلت: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ من النَّاسِ 2: 142 وقد صرح البخاري بذلك في روايته عن طريق إسرائيل.
قوله: «قال زهير» ، يعني ابن معاوية بالإسناد المذكور بحذف أداة العطف كعادته ، ووهم قال إنه معلق ، وقد ساقه البخاري في (التفسير) ، مع جملة الحديث ، عن أبي نعيم ، عن زهير سياقا واحدا.
قوله: «أنه مات على القبلة» ، أي قبلة بيت المقدس قبل أن تحوّل «لأجاب ، وقتلوا» ، ذكر القتل لم أره إلا في رواية زهير ، وباقي الروايات إنما فيها ذكر الموت فقط ، وكذلك روى أبو داود ، والترمذي ، وابن حبان ، والحاكم ، صحيحا عن ابن عبّاس ، وكذلك والذين ماتوا بعد فرض الصلاة ، وقبل تحويل القبلة من المسلمين عشر أنفس: فبمكة من قريش: [1] عبد الله بن شهاب. [2] المطلب ابن أزهر الزهريان. [3] السكران بن عمرو العامري.
وبأرض الحبشة منهم: [1] حطاب - بالمهملة - ابن الحارث الجمحيّ. [2] عمرو بن أمية الأسدي. [3] عبد الله بن الحارث السهمي. [4] عروة بن عبد العزى. [5] عدي بن نضلة العدويان.
ومن الأنصار بالمدينة: [1] البراء بن معرور (بمهملات) . [2] أسعد بن زرارة ، فهؤلاء العشرة متفق عليهم. ومات في المدة أيضا: إياس بن معاذ الأشهلي ، لكنه مختلف في إسلامه.
قال الحافظ ابن حجر: ولم أجد في شيء من الأخبار أن أحدا من المسلمين قتل قبل تحويل القبلة ، لكن لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع ، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة ، فتحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير الجهاد ، ولم يضبط اسمه لقلة الاعتناء بالتأريخ إذ ذاك.
ثم وجدت في المغازي ذكر رجل اختلف في إسلامه ، وهو سويد بن الصامت ، فقد ذكر ابن إسحاق: أنه لقي النبي صلّى الله عليه وسلّم ، قبل أن تلقاه الأنصار في العقبة ، فعرض عليهم الإسلام فقال:
إن هذا القول حسن. وانصرف إلى المدينة فقتل بها في وقعة بعاث - بضم الموحدة وإهمال العين وآخره مثلثة - وكانت قبل الهجرة ، قال: فكان قومه يقولون. لقد قتل وهو مسلم ، فيحتمل أن يكون هو المراد. وذكر لي بعض الفضلاء: أنه يجوز أن يراد من قتل بمكة من المستضعفين كأبوي عمار ، قلت: يحتاج إلى ثبوت أن قتلهما بعد الإسراء.
من فوائد هذا الحديث:
[1] الرد على المرجئة في إنكارهم تسمية أعمال الدين إيمانا. [2] تغيير بعض الأحكام جائز إذا ظهرت المصلحة في ذلك. [3] بيان شرف المصطفى وكرامته على ربه لإعطائه له ما أحب من غير تصريح بالسؤال. [4] بيان ما كان في الصحابة من الحرص على دينهم والشفقة على إخوانهم ، وقد وقع لهم نظير هذه المسألة لما نزل تحريم الخمر ، كما صح من حديث البراء أيضا فنزل: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَالله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ 5: 93 [93/ المائدة] ، وقوله تعالى:
إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ من أَحْسَنَ عَمَلًا 18: 30 [30/ الكهف] ، ولملاحظة هذا المعنى ، عقّب البخاري على هذا الباب بقوله: «باب حسن إسلام المرء» فذكر الدليل على أن المسلم إذا فعل الحسنة أثيب عليها ، وهو الحديث رقم (41) من الباب (31) في كتاب (الإيمان) . (فتح الباري) 1/ 128 - 133 حديث رقم (40) .