وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ سبأ باليمن. وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها بالماء والشجر وهي قرى الشام التي يسيرون إليها للتجارة. قُرىً ظاهِرَةً مرتفعة على الآكام، متواصلة من اليمن إلى الشام، وكانوا يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى حتى يرجعوا. وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ أي كانت القرى على مقادير للمسافر، بحيث يكون المقيل في قرية، والمبيت في أخرى، إلى انتهاء سفرهم ووصولهم إلى الشام، دون أن يحتاجوا في الطريق إلى حمل زاد وماء. سِيرُوا فِيها أي وقلنا:
سيروا فيها. لَيالِيَ وَأَيَّاماً متى شئتم من ليل أو نهار. آمِنِينَ لا تخافون في ليل ولا في نهار.
فَقالُوا: رَبَّنا باعِدْ وفي قراءة: بعّد. بَيْنَ أَسْفارِنا إلى الشام فإنهم بطروا النعمة كبني إسرائيل، فسألوا الله أن يجعل بينهم وبين الشام مفاوز ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرواحل وحمل الزاد. وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر وبطر النعمة. فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ لمن بعدهم في ذلك، جمع أحدوثة: وهي ما يتحدث به على سبيل التلهي والاستغراب، فإن الله أجابهم بتخريب القرى المتوسطة. وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ فرقناهم في البلاد غاية التفريق. إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور. لَآياتٍ عبرا ودلالات واضحات. لِكُلِّ صَبَّارٍ كثير الصبر عن المعاصي وعلى الطاعات. شَكُورٍ كثير الشكر على النعم.
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ أي صدق إبليس على الكفار ومنهم سبأ ظنه، والمعنى:
ظن بهم أنه إذا أغواهم اتبعوه. فَاتَّبَعُوهُ أي فصدق في ظنه، أو صدّق ظنه بأن وجده صادقا.
إِلَّا فَرِيقاً بمعنى لكن. مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي لكن فريقا هم المؤمنون لم يتبعوه، ومِنَ:
للبيان.
وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ أي لم يكن له على المتبعين تسلط واستيلاء بوسوسة واستغواء. إِلَّا لِنَعْلَمَ علم ظهور وانكشاف. مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ أي لنتعرف ونتميز المؤمن بالآخرة من الشاك. وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ محافظ رقيب.
سبب النزول: