قوله تعالى: {وجَعَلْنا بينهم} هذا معطوف على قوله تعالى: {لقد كان لسَبَأٍ} ؛ والمعنى: كان من قَصَصهم أنّا جَعَلْنا بينهم {وبين القرى التي باركنا فيها} وهي: قرى الشام ؛ وقد سبق بيان معنى البَرَكَة فيها [الأنبياء: 71] ، هذا قول الجمهور.
وحكى ابن السائب أن الله تعالى لمَّا أهلك جنَّتيهم قالوا للرسل: قد عرفنا نعمة الله علينا ، فلئن ردَّ إِلينا ما كنَّا عليه لنَعْبُدَنَّه عبادةً شديدة ، فردَّ عليهم النِّعمة ، وجعل لهم قُرىً ظاهرة ، فعادوا إِلى الفساد وقالوا: باعد بين أسفارنا ، فَمُزِّقوا.
قوله تعالى: {قُرىً ظاهرةً} أي: متواصلة ينظُر بعضها إِلى بعض {وقدَّرْنا فيها السَّير} فيه قولان.
أحدهما: أنهم كانوا يَغْدون فيَقِيلون في قرية ، ويَرُوحون فيَبِيتون في قرية ، قاله الحسن ، وقتادة.
والثاني: أنه جعل ما بين القرية والقرية مقداراً واحداً ، قاله ابن قتيبة.
قوله تعالى: {سِيروا فيها} والمعنى: وقلنا لهم: سيروا فيها {لياليَ وأيَّاماً} أي: ليلاً ونهاراً {آمنين} من مخاوف السفر من جوع أو عطش أو سَبُع أو تعب ، وكانوا يسيرون أربعة أشهر في أمان ، فبَطِروا النِّعمة وملّوها كما ملّ بنو إِسرائيل المَنَّ والسَّلوى {فقالوا ربَّنا بَعِّدْ بين أسفارنا} قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو: {بَعِّد} بتشديد العين وكسرها.
وقرأ نافع ، وعاصم ، وحمزة: {باعِدْ} بألف وكسر العين.
وعن ابن عباس كالقراءتين.
قال ابن عباس: إِنهم قالوا: لو كانت جنَّاتنا أبعد ممَّا هي ، كان أجْدَرَ أن يُشتهى جَنَاها.
قال أبو سليمان الدمشقي: لمَّا ذكَّرتْهم الرُّسلُ نِعَم الله ، أنكروا أن يكون ماهم فيه نعمة ، وسألوا الله أن يُباعِد بين أسفارهم.
وقرأ يعقوب: [ {ربُّنا} برفع الباء] {باعَدَ} بفتح العين والدال ، جعله فعلاً ماضياً على طريق الإِخبار للناس بما أنزله الله عز وجل بهم.