ولما كان العمل لا يصح بدون الإيمان ، سبب عن ذلك قوله: {فأحبط الله} أي بجلاله وتفرده في كبريائه وكماله {أعمالهم} أي أبطل أرواحها ، فصارت أجساداً لا أرواح لها ، فلا نفع لهم بشيء منها لأنها كانت في الدنيا صوراً مجردة عن الأرواح التي هي القصود الصالحة ، فإنهم لا قصد لهم بها إلا التوصل إلى الأعراض الدنيوية ، وهذا إعلام بأن من كانت الدنيا أكبر همه فهو غير مؤمن ، وأنه يكون خواراً عند الهزاهز ، ميالاً إلى دنايا الشجايا والغرائز.
ولما كان من عمل عملاً لم يقدر غيره وإن كان أعظم منه أن يبطل نفعه به إلا بسعر شديد ، قال تعالى: {وكان ذلك} أي الإحباط العظيم مع ما لهم من الجرأة في الطلب والإلحاف عند السؤال وقلة الأدب {على الله} بما له من صفات العظمة التي تخشع لها الأصوات ، وتخرس الألسن الذربات {يسيراً} لأنه لا نفع إلا منه وهو الواحد القهار ، وأما غيره فإنما عسر عليه ذلك ، لأن النفع من غيره - وإن كان منه حقيقة - قهره غيره بالشفاعات ووجود النكد أو غيرها عليه ، وكأنهم لما ذهب استمرو خاضعين لم يطلقوا ألسنتهم ولا أعلو كلمتهم ، فأخبر تعالى تحقيقاً لقوله الماضي في جبنهم أن المانع الذي ذكره لم يزل من عندهم لفرط جبنهم ، فقال تحقيقاً لذلك وجواباً لمن ربما قال: قد ذهب الخوف فما لهم ما سلقوا؟: {يحسبون} أي يظنون لضعف عقولهم في هذا الحال ، وقد ذهب الخوف ، لشدة جبنهم وما رسخ عندهم من الخوف {الأحزاب} وقد علمتم أنهم ذهبوا {لم يذهبوا} بل غابوا خداعاً ، وعبر بالحسبان لأنه - كما مضى عن الحرالي في البقرة - ما تقع غلبته فيما هو من نوع ما فطر الإنسان عليه واستقر عادة له ، والظن فيما هو من المعلوم المأخوذ بالدليل والعلم ، قال: فكان ضعف علم العالم ظن ، وضعف عقل العاقل حسبان.