على أن أمنية المنافقين كانت هي أن يقع زحف الأحزاب على المدينة وهم متغيبون عنها في البادية بين الأعراب، حتى لا يتورطوا في نزال ولا قتال، ويكتفوا في هذه الحالة بمجرد السؤال: ما هي أنباء المعركة التي تدور بين المسلمين وأعدائهم؟ وذلك قوله تعالى: {وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ} وإذا تظاهر أحد منهم بالاستعداد لخوض المعركة، رغبة في التجسس وحب الاستطلاع، لم يبذل إلا أقل التضحيات وأضعف الجهود، كما قال تعالى في نفس
السياق: {وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا} ، تأكيدا لقوله تعالى في وصفهم أوائل هذا الربع: {وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا} .
وإذا كان كتاب الله قد سجل على المنافقين خيانتهم لعهد الله، وتحفظهم المريب وتثاقلهم عن أداء الواجب، كلما دعاهم رسول الله، فها هو كتاب الله على العكس من ذلك ينوه بجهود المؤمنين الصادقين، ومسارعتهم إلى بذل الأنفس والأموال، وخوضهم المعارك دون تحفظ ولا تثاقل، كلما اضطروا إلى حمل السلاح والقتال، وفاءً بما عاهدوا الله عليه، ودفاعا عن دين الحق الذي أكرمهم الله بالانتماء إليه، وعلى رأسهم جميعا سيد الخلق (نبي المرحمة، ونبي الملحمة) رسول الله وخاتم النبيين، الذي هو قدوتهم وقدوة كافة المؤمنين، وذلك قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا * وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} .