فالآية تصور ما أصاب المسلمين من فزع وكرب في غزوة الأحزاب، تصويرا بديعا مؤثرا، يرسم حركات القلوب، وملامح الوجوه، وخلجات النفوس.
وقوله - سبحانه - وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا بيان لما دار في عقولهم من أفكار، حين رأوا الأحزاب وقد أحاطوا بالمدينة.
والظنون جمع الظن. وهو مصدر يطلق على القليل والكثير منه. وجاء بصيغة الجمع لتعدد أنواعه، واختلافه باختلاف قوة الإيمان وضعفه.
أي: وتظنون - أيها المؤمنون - بالله - تعالى - الظنون المختلفة، فمنكم من ازداد يقينا على يقينه، وازداد ثقة بوعد الله - تعالى - وبنصره، ومنكم من كان أقل من ذلك في ثباته ويقينه، ومنكم من كان يظهر أمامكم الإيمان والإسلام، ويخفى الكفر والعصيان، وهم المنافقون وهؤلاء ظنوا الظنون السيئة، بأن اعتقدوا بأن الدائرة ستدور عليكم:
قال ابن كثير: قوله وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا قال الحسن: ظنون مختلفة، ظن المنافقون أن محمدا وأصحابه يستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق، وأنه - سبحانه - سيظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون.
عن أبى سعيد قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقول، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ فقال صلّى الله عليه وسلم: نعم. قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا.
قال: فضرب الله - تعالى - وجوه أعدائه بالريح فهزمهم.
ولفظ هُنالِكَ في قوله - تعالى -: هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ: ظرف مكان للبعيد، وهو منصوب بقوله ابْتُلِيَ والابتلاء: الاختبار والامتحان بالشدائد والمصائب.
أي: في ذلك المكان الذي أحاط به الأحزاب من كل جانب، امتحن الله - تعالى - المؤمنين واختبرهم، ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه.
وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً أي: واضطربوا اضطرابا شديدا، من شدة الفزع، لأن الأعداء حاصروهم، ولأن بنى قريظة نقضوا عهودهم.
ولقد بلغ انشغال المسلمين بعدوهم انشغالا عظيما، حتى أنهم لم يستطيعوا أن يؤدوا بعض الصلوات في أوقاتها، وقال بعض الصحابة: يا رسول الله، ما صلينا، فقال لهم صلّى الله عليه وسلم: