ومعنى الآيتين: أي واذكروا حين مالت الأبصار عن سننها، وانحرفت عن مستوى نظرها، حيرةً ودهشةً، وخاف الناس خوفًا شديدًا، وفزعوا فزعًا عظيمًا، وظنوا مختلف الظنون، فمنهم مؤمن مخلص يستنجز الله وعده في إعلاء دينه ونصرة نبيه، ويقول هذا ما وعدنا الله ورسوله، ومنهم منافق وفي قلبه مرض، يظن أن محمدًا وأصحابه سيستأصلون، ويستولي المشركون على المدينة، وتعود الجاهلية سيرتها إلى نحو ذلك من ظنون لا حصر لها، تجول في قلوب المؤمنين والمنافقين، على قدر ما يكون القلب عامرًا بالإخلاص، مكتوبًا له السعادة، أو متشككًا في اعتقاده، ليست له عزيمة صادقة، ثم ذكر أن هذه الشدائد محصت المؤمنين، وأظهرت المنافقين فقال: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) } ؛ أي: حين ذاك اختبر الله المؤمنين، ومحصهم أشد التمحيص، فظهر المخلص من المنافق، والراسخ في الإيمان من المتزلزل، واضطربُوا اضطربًا شديدًا من الفزع وكثرة العدو.
12 -وقوله: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ} : معطوف على {وَإِذْ زَاغَتِ} ، والتعبير بالمضارع، لحكاية الحال الماضية كما سيأتي؛ أي: واذكروا حين قال المنافقون، كمعتب بن قشير: {وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} ؛ أي: ضعف اعتقاد في الإيمان, لقرب عهدهم بالإِسلام، والمراد بالمنافقين: عبد الله بن أبي وأصحابه، وبالذين في قلوبهم مرض: أهل الشك والاضطراب.
فَإِنْ قُلْتَ: ما الفرق بين المنافق والمريض؟
قلت: المنافق من كذب الشيء تكذيبًا لا يعتريه فيه شك، والمريض: من قال الله تعالى في حقه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} كذا في"الأسئلة المقحمة".