{وَ} أرسلنا عليهم أيضًا {جُنُودًا} عظيمةً هائلةً {لَمْ تَرَوْهَا} ؛ أي: لا ترون أنتم أيها المسلمون تلك الجنود، وهم الملائكة، قيل: كانوا ألفًا، روي أن الله تعالى بعث على المشركين ريحًا باردةً، في ليلة شاتية، ولم تجاوز عسكرهم، فأحصرتهم وسفت التراب في وجوههم، وبعث الله عليهم أيضًا الملائكة، فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، ونفثت في روعهم الرعب، وكبرت في جوانب معسكرهم، حتى سمعوا التكبير وقعقعة السلاح، واضطربت الخيول، ونفرت، فصار سيد كل حي يقول لقومه: يا بني فلان: هلموا إلى، فإذا اجتمعوا قال لهم: النجاء النجاء؛ أي: الإسراع الإسراع، فانهزموا من غير قتال، وارتحلوا ليلًا، وحملوا ما خف عليهم من متاعهم، وتركوا ما استثقلوه مثله.
والمعنى: أي تذكروا أيها المؤمنون نعم الله، التي أسبغها عليكم، حين حوصرتم أيام الخندق، وحين جاءتكم جنود الأحزاب من قريش وغطفان، ويهود بني النضير أجلاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى خيبر، فأرسلنا عليهم ريحًا باردةً، في ليلة باردةً، أحصرتهم وسفت التراب في وجوههم، وأمر ملائكته فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وماجت الخيل بعضها في بعض، وقذف الرعب في قلوب الأعداء، حتى قال طليحة بن خويلد الأسدي: إن محمدًا قد بدأكم بالسحر، فالنجاة النجاة، فانهزموا من غير قتال.
والخلاصة: أنه تعالى يمتن على عباده المؤمنين بذكر النعم التي أنعم بها عليهم، إذ صرف عنهم أعداءهم حين تألبوا عليهم، وتحزبوا عام الخندق.
وقرأ الحسن: {وجنودًا} بفتح الجيم، والجمهور: بالضم، وقرأ أبو عمرو في رواية وأبو بكر في رواية: {لم يروها} بياء الغيبة؛ أي: الكفار، وباقي السبعة والجمهور: بتاء الخطاب؛ أي: أيها المسلمون.
{وَكَانَ اللَّهُ} سبحانه وتعالى: {بِمَا تَعْمَلُونَ} قرأ الجمهور: بتاء الخطاب؛ أي: بما تعملون أيها المسلمون من ترتيب الأسباب، وحفر الخندق، واستنصاركم به، وتوكلكم عليه، {بَصِيرًا} ؛ أي: رائيًا، ولذلك فعل ما فعل من نصركم عليهم، وعصمتكم من شرهم، فلا بد لكم من الشكر على هذه النعمة الجليلة، باللسان والجنان والأركان.