وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ"الصَّحِيحَيْنِ"وَسِيَاقُ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهَا الْمَكِّيَّ وَالْمَدَنِيَّ، فَإِنَّ قِصَّةَ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ فِي أُمْنِيِّةِ الرَّسُولِ مَكِّيَّةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فصل: في أَقسَام الْجِهَاد)
فَإِذا كَانَت الْمُسَابقَة شرعت ليتعلم الْمُؤمن الْقِتَال ويتعوده ويتمرن عَلَيْهِ فَمن الْمَعْلُوم أَن الْمُجَاهِد قد يقْصد دفع الْعَدو إِذا كَانَ الْمُجَاهِد مَطْلُوبا والعدو طَالبا وَقد يقْصد الظفر بالعدو ابْتِدَاء إِذا كَانَ طَالبا والعدو مَطْلُوبا وَقد يقْصد كلا الْأَمريْنِ والأقسام ثَلَاثَة يُؤمر الْمُؤمن فِيهَا بِالْجِهَادِ.
وَجِهَاد الدّفع أصعب من جِهَاد الطّلب فَإِن جِهَاد الدّفع يشبه بَاب دفع الصَّائِل وَلِهَذَا أُبِيح للمظلوم أَن يدْفع عَن نَفسه
كَمَا قَالَ الله تَعَالَى {أذن للَّذين يُقَاتلُون بِأَنَّهُم ظلمُوا} .
وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد وَمن قتل دون دَمه فَهُوَ شَهِيد لِأَن دفع الصَّائِل على الدّين جِهَاد وقربة وَدفع الصَّائِل على المَال وَالنَّفس مُبَاح ورخصة فَإِن قتل فِيهِ فَهُوَ شَهِيد.
فقتال الدّفع أوسع من قتال الطّلب وأعم وجوبا وَلِهَذَا يتَعَيَّن على كل أحد يقم ويجاهد فِيهِ العَبْد بِإِذن سَيّده وَبِدُون إِذْنه وَالْولد بِدُونِ إِذن أَبَوَيْهِ والغريم بِغَيْر إِذن غَرِيمه وَهَذَا كجهاد الْمُسلمين يَوْم أحد وَالْخَنْدَق.
وَلَا يشْتَرط فِي هَذَا النَّوْع من الْجِهَاد أَن يكون الْعَدو ضعْفي الْمُسلمين فَمَا دون فَإِنَّهُم كَانُوا يَوْم أحد وَالْخَنْدَق أَضْعَاف الْمُسلمين فَكَانَ الْجِهَاد وَاجِبا عَلَيْهِم لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ جِهَاد ضَرُورَة وَدفع لَا جِهَاد اخْتِيَار وَلِهَذَا تُبَاح فِيهِ صَلَاة الْخَوْف بِحَسب الْحَال فِي هَذَا النَّوْع.
وَهل تُبَاح فِي جِهَاد الطّلب إِذا خَافَ فَوت الْعَدو وَلم يخف كرته؟
فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء هما رِوَايَتَانِ عَن الإِمَام أَحْمد.
وَمَعْلُوم أَن الْجِهَاد الَّذِي يكون فِيهِ الْإِنْسَان طَالبا مَطْلُوبا أوجب من هَذَا الْجِهَاد الَّذِي هُوَ فِيهِ طَالب لَا مَطْلُوب والنفوس فِيهِ أَرغب من الْوَجْهَيْنِ.