وقد أجمع جميع علماء الأمة على أن التقصير مجزئ ولكنهم اختلفوا في القدر الذي يكفي في الحلق والتقصير ، فقال الشافعي ، وأصحابه: يكفي فيهما حلق ثلاث شعرات فصاعداً ، أو تقصيرها ، لأن ذلك يصدق عليه أنه حلق أو تقصير ، لأن الثلاث جمع.
وقال أبو حنيفة: يكفي حلق ربع الرأس ، أو تقصير ربعه بقدر الأنملة.
وقال مالك ، وأحمد وأصحابهما: يجب حلق جميع الرأس ، أو تقصير جميعه ، ولا يلزمه في التقصير تتبع كل شعرة ، بل يكفيه أن يأخذ من جميع جوانب الرأس ، وبعضهم يقول: يكفيه قدر الأنملة ، والمالكية يقولون: يقصره إلى القرب من أصول الشعر.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال عندي: أنه يلزم حلق جميع الرأس ، أو تقصير جميعه ، ولا يلزم تتبع كل شعرة في التقصير ، لأن فيه مشقة كبيرة ، بل يكفي تقصير جميع جوانب الرأس مجموعة أو مفرقة ، وأنه لا يكفي الربع ، ولا ثلاث شعرات خلافاً للحنفية والشافعية ، لأن الله تعالى يقول: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ} [الفتح: 27] ولم يقل: بعض رؤوسكم {وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27] أي: رؤوسكم لدلالة ما ذكر قبله عليه ، وظاهره حلق الجميع أو تقصيره ، ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلا لدليل يجب الرجوع إليه ، ولأن النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"فمن حلق الجميع أو قصره ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ، ومن اقتصر على ثلاث شعرات أو على ربع الرأس ، لم يدع ما يريبه ، إذ لا دليل يجب الرجوع إليه ، من كتاب ، ولا سنة على الاكتفاء بواحد منهما ، ولأن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما حلق في حجة الوداع ، حلق جميع رأسه وأعطى شعر رأسه لأبي طلحة ليفرقه على الناس.
وفعله في الحلق بيان للنصوص الدالة على الحلق كقوله: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ} الآية. وقوله: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] .