قد قدمنا في سورة البقرة: أن القرآن دل في موضعين ، على أن نحر الهدي قبل الحلق ، والتقصير يوم النحر ، وبينا أنه لو قدم الحلق على النحر لا شيء عليه ، وأوضحنا ذلك في الكلام على قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا استيسر مِنَ الهدي} [البقرة: 196] .
والحاصل: أن الحاج مفرداً كان أو قارناً أو متمتعاً إن رمى جمرة العقبة ونحر ما معه من الهدي: فعليه الحلق أو التقصير ، وقد قدمنا أن التحقيق: أن الحلق نسك وأنه أفضل من التقصير ، لقوله صلى الله عليه وسلم
"رحم الله المحلقين قالوا: يا رسول الله: والمقصرين. قال: رحم الله المحلقين ، قالوا: والمقصرين؟ فقال: والمقصرين"في الرابعة ، أو الثالثة كما تقدم إيضاحه. فدل دعاؤه للمحلقين بالرحمة مراراً: على أن الحلق نسك لأنه لو لم يكن قربة لله تعالى لما استحق فاعله دعاء النَّبي صلى الله عليه وسلم له بالرحمة ، ودل تأخير الدعاء للمقصرين ، إلى الثالثة أو الرابعة: أن التقصير مفضول ، وأن الحلق أفضل منه ، والتقصير مع كونه مفضولاً: يجزئ بدلالة الكتاب ، والسنة والإجماع ، لأن الله تعالى يقول {لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَآءَ الله آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27] وقد روى الشيخان ، وغيرهما: التقصير عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم.
فمن ذلك حديث جابر: أنه حج مع النَّبي صلى الله عليه وسلم وقد أهلوا بالحج مفرداً ، فقال لهم:"أحلوا من إحرامكم بطواف البيت ، وبين الصفا والمروة ، وقصروا"وفي الصحيحين ، عن ابن عمر قال:"حلق النَّبي صلى الله عليه وسلم وحلق طائفة من أصحابه وقصر بعضهم"، وقد قدمنا حديث معاوية الثابت في الصحيحين ، قال: قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص على المروة وحديث:"رحم الله المحلقين"، ثم قال بعد ذلك:"والمقصرين"إلى غير ذلك من الأحاديث.