وقال بعض أهل العلم: أصل الجمرة من التجمر بمعنى التجمع ، تقول العرب: تجمَّر القوم ، إذا اجتمعوا ، وانضم بعضهم إلى بعض ، وجمرهم الأمر: أحوجهم إلى التجمر ، وهو التجمع ، وجمر الشيء: جمعه ، وجمر الأمير الجيش ، إذا أطال حبسهم مجتمعين بالثغر ، ولم يأذن لهم في الرجوع والتفرق ، وروى الربيع: أن الشافعي أنشده في ذلك قول الشاعر:
وجمَّرتْنا تجميرَ كسرى جُنوده... ومنيتنا حتى نسينا الأمَانِيَا
والجمار: القوم المجتمعون ، ومنه قول الأعشى:
فَمَنْ مُبلغٍ وائلاً قومَنا... وأعني بذلك بكراً جمارا
أي مجتمعين ، وعلى هذا فاشتقاق الجمرة من التجمر بمعنى: التجمع لاجتماع الحجيج عندها يرمونها ، وقيل: لأن الحصى يتجمع فيها ، وقيل: اشتقاق الجمرة من أجمر إذا أسرع ، لأن الناس يأتون مسرعين لرميها. وقيل: أصلها من جمرته إذا نحيته وأظهرها القول الأول والثاني ، والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثالث: في آخر وقت الرمي أيام التشريق.
قد علمت أن أول وقت رميها بعد الزوال ، ولا خلاف بين العلماء ، أن بقية اليوم وقت للرمي إلى الغروب.
واختلفوا فيما بعد الغروب ، فمنهم من يقول: إن غربت الشمس ، ولم يرم رمى بالليل ، وبعضهم يقول: الليل قضاء ، وبعضهم يقول: أداء ، وقد قدمنا أقوالهم ، وحججهم في الكلام على رمي جمرة العقبة ، ومنهم من يقول: لا يرمي بالليل ، بل يؤخر الرمي ، حتى تزول الشمس من الغد كما قدمناه ، مع إجماعهم على فوات وقت الرمي بغروب اليوم الثالث عشر من ذي الحجة الذي هو رابع يوم النحر.
واعلم أن هذا الحكم له حالتان:
الأولى: حكم الرمي في الليلة التي تلي اليوم الذي فاته الرمي فيه من أيام التشريق.
والثانية: الرمي في وم آخر من أيام التشريق.