وأما حجته أعني مالكاً بالنسبة إلى النساء والطيب ، فهي ما روى في موطئه عن نافع ، وعبدالله بن دينار ، عن عبدالله بن عمر: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس بعرفة ، وعلمهم أَمرَ الحج ، وقال لهم فيما قال: إذا جئتم منًى ، فمن رَمَى الجمرة ، فقد حل له ما حرم على الحاج إلا النِّساء والطيب لا يَمَسَّ أحد نساءً ولا طيباً حتى يطوف بالبيت ا ه.
ومما يستدل به لمالك على ذلك ، ما رواه الحاكم في المستدرك: حدثنا أبو عبدالله محمد بن يعقوب الحافظ ، ثنا إبراهيم بن عبدالله ، أنبأ زيد بن هارون ، أنبأ يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد ، عن عبدالله بن الزبير قال: من سُنَّة الحج أن يصلي الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والصبح بمنى ، ثم يغدو إلى عرفة الحديث ، وفيه: فإذا رمى الجمرة الكبر حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء والطيب حتى يزور البيت ا ه.
ثم قال: هذا حديث على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، ولم يتعقبه عليه الذهبي.
هذا هو حاصل حجة مالك وأصحابه في أن التحلل الأول يحل به ، ما عدا النساء والصيد والطيب ، وقد قدمنا أن الطيب بعد رمي الجمرة مكروه عنده لا حرام.
وأما حجة من قال: إنه إن رمى جمرة العقبة وحلق: حل له كل شيء إلا النساء: كأحمد والشافعي ومن وافقهما ، فمنها حديث عائشة المتفق عليه ، قالت: كنت أطيِّبُ رسُول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه ، حين يحرم ولِحِلِّهِ قبل أن يطوف بالبيت. هذا لفظ البخاري في صحيحه ، ولفظ مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لِحُرْمِهِ حين أحْرَمَ ، ولِحِلِّهِ قبل أن يَطُوفَ بالبيت ، وفي لفظ: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ ، ولِحِلِّه حين أحَلَّ. قبل أن يطوف بالبيت. وقد ذكر مسلم لهذا الحديث ألفاظاً متعددة متقاربة معناها واحد.