ومن أدلتهم على ذلك: ما جاء في بعض الروايات الثابتة في الصحيح ، من أنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها"يجزئ عنك طوافك بين الصفا والمروة عن حجك وعمرتك"وهذا اللفظ في صحيح مسلم ، قالوا: ويفهم من قوله"يجزئ عنك طوافك بين الصفا والمروة عن حجك وعمرتك"أنها لو لم تطف بينهما لم يحصل لها أجزاء عن حجها وعمرتها ، هذا هو حاصل ما استدل به القائلون بأنه ركن من أركان الحج والعمرة.
وأما حجة الذين قالوا: إنه سنة لا يجب بتركه شيء ، فهي قوله تعالى {إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَآئِرِ الله فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158] قالوا: فرفع الجناح في قوله {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} دليل قرآني على عدم الوجوب ، كما قاله عروة بن الزبير ، لخالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
والجواب عن الاستدلال بهذه الآية على عدم وجوب السعي: هو ما أجابت به عائشة عروة ، فإنها أولاً ذمَّت هذا التفسير لهذه الآية بقولها: بئس ما قلت يا ابن أختي ، ومعلوم أن لفظة بئس فعل جامد لإنشاء الذم ، وما ذمت تفسير الآية بما ذكر ، إلا لأنه تفسير غير صحيح ، وقد بينت له أن الآية نزلت جواباً لسؤال من ظن أن في السعي بين الصفا والمروة جناحاً ، وإذاً فذكر رفع الجناح لمطابقة الجواب للسؤال ، لا لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق ، فلو سألك سائل مثلاً قائلاً: هل علي جناح في أن أصلي الخمس المكتوبة؟ وقلت له: لا جناح عليك في ذلك ، لم يلزم من ذلك أنك تقول: بأنها غير واجبة ، وإنما قلت: لا جناح في ذلك ، ليطابق جوابك السؤال ، وقد دلت قرينتان على أنه ليس المراد رفع الجناح ، عمن لم يسع بين الصفا والمروة.