وأما دلالة اللغة على اقتضاء صيغة أفعل الوجوب. فإيضاحها أن أهل اللسان العربي مجمعون على أن السيد لو قال لعبده: اسقني ماء مثلاً ، ثم لم يمتثل العبد وعاقبه سيده على عدم الامتثال كان ذلك العقاب واقعاً موقعه ، لأن صيغة أفعل ألزمته الامتثال ، وليس للعبد أن يقول: صيغة افعل لم توجب على الامتثال ، ولم تلزمني إِياه؟ فعقابك لي غلط لأني لم أترك شيئاً لازماً ، حتى تعاقبني عليه. وإجماعهم على أنه ليس له ذلك وأن عقابه له صواب لعصيانه ، دليل على أن صيغة أفعل تقتضي الوجوبن ما لم يصرف عنه صارف ، وهو قول جمهور الأصوليين. ومقابله أقوال أخر ، أشار لها في مراقي السعود بقوله في مبحث الأمر:
وافعل لدى الأكثر للوجوب... وقيل للندب أو المطلوب
وقيل للوجوب أمر الرب... وأمر من أرسله للندب
ومفهم الوجوب يدري الشرع... أو الحجا أو المفيد الوضع
وقال بعض أهل العلم: إن دلالة اللغة على اقتضاء الأمر الوجوب راجعة إلى دلالة الشرع ، لأن الشرع هو الذي دل على وجوب طاعة العبد لسيده.
ومن أدلتهم على أن السعي بين الصفا والمروة لا بد منه: ما قدمنا من حديث ابن عمر عند الترمذي ، أنه صلى الله عليه وسلم قال"من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد منهما حتى يحل منهما جميعاً"قال المجد في المنتقى: رواه الترمذي ، وقال: هذا حديث حسن غريب ، وفيه دليل على وجوب السعي ، ووقوف التحلل عليه. انتهى منه.
والذي رأيته في الترمذي لما ساق الحديث بلفظه المذكور: هو أنه قال: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح ، تفرد به الداوردي على ذلك اللفظ ، وقد رواه غير واحد عن عبيد الله بن عمر ، ولم يرفعوه. وهو أصح. انتهى منه.