فنسب الديار إليهم . ولَمَا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مكة:"وهل ترك لنا عقيل من دار أو من ربع؟"وكوْنُ عقيل يبيع دُورهم بعد أن هاجروا ، فهذا دليل على ملكيتهم لها . لذلك رجع الحنظلي إلى رأي الشافعي .
هذا مع أن الآية تعني البيت فقط ، لا مكة كلها ، فما كان الخلاف ليصل إلى مكة كلها .
ثم يقول تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] الإلحاد قد يكون في الحق الأعلى ، وهو الإلحاد في الله عز وجل ، أما هنا فيُراد بالإلحاد: الميْل عن طريق الحقِّ ، وقوله: {بِظُلْمٍ . .} [الحج: 25] الظلم في شيء لا يسمو إلى درجة الكفر ، والإلحاد بظلم إنْ حدث في بيت الله فهو أمر عظيم ؛ لأنك في بيت ربك (الكعبة) .
وكان يجب عليك أن تستحي من مجرد حديث النفس بمعصية ، مجرد الإرادة هنا تُعَدُّ ذنباً ؛ لأنك في مقام يجب أنْ تستشعر فيه الجلال والمهابة ، فكما أعطى الله لبيته مَيْزة في مضاعفة الحسنات ، كذلك عظَّم أمر المعصية وأنت في رحاب بيته ، فتنبَّه لهذه المسألة .
حتى في أمثال أهل الريف يقولون: (تيجي في بيت العالم وتسكر) يعني: السُّكْر يُتصوَّر في بيت أحد العصاة ، في بيت فاسق ، في خمارة ، لكن في بيت عالم ، فهذا شيء كبير ، وجرأة عظيمة . لماذا؟
فللمكان حُرْمة بحُرمة صاحبة ، فإذا كان للمكان حُرْمة بحُرْمة صاحبه ، والبيت منسوب إلى الله ، فأنت تعصي ربك في عُقْر داره ، وأيْ جرأة أعظم من الجرأة على الله؟
وهذه خاصية للمسجد الحرام ، فكُلُّ المساجد في أي مكان بيوت الله ، لكن هناك فَرْق بين بيت الله باختيار الله ، وبيت الله باختيار عباد الله ؛ لذلك جُعل بيتُ الله باختيار الله (البيت الحرام) هو القِبْلة التي تتجه إليها كل بيوت الله في الأرض .